vendredi 27 septembre 2019

The Shower by Charles Bukowski


we like to shower afterwards 
(I like the water hotter than she)
and her face is always soft and peaceful
and she'll wash me first
spread the soap over my balls
lift the balls
squeeze them,
then wash the cock:
"hey, this thing is still hard!"
then get all the hair down there,-
the belly, the back, the neck, the legs,
I grin grin grin,
and then I wash her. . .
first the ****, I
stand behind her, my cock in the cheeks of her ****
I gently soap up the **** hairs,
wash there with a soothing motion,
I linger perhaps longer than necessary,
then I get the backs of the legs, the ****,
the back, the neck, I turn her, kiss her,
soap up the breasts, get them and the belly, the neck,
the fronts of the legs, the ankles, the feet,
and then the ****, once more, for luck. . .
another kiss, and she gets out first,
toweling, sometimes singing while I stay in
turn the water on hotter
feeling the good times of love's miracle
I then get out. . .
it is usually mid-afternoon and quiet,
and getting dressed we talk about what else
there might be to do,
but being together solves most of it
for as long as those things stay solved
in the history of women and
man, it's different for each-
for me, it's splendid enough to remember
past the memories of pain and defeat and unhappiness:
when you take it away
do it slowly and easily
make it as if I were dying in my sleep instead of in
my life, amen.

حلم جميل Sweet Dream




حلمتُ بكِ في الليلة الماضية. الحلم نفسه يتكرّر في نومي منذ فترة طويلة. هناك قطعة من ثيابكِ احتفظتُ بها عندي، دون أن تعرفي ذلك. إنه الحزام الذي كنتِ تشدّين به روب الحمام الرماديّ الخفيف على خصركِ. لقد سحبته من مكانه في ذلك الروب، ووضعته في خزانتي بين ملابسي قبل ذهابكِ. في الحلم أنهض من سريري، وأمضي باتجاه خزانتي، أقصد ذلك الحزام، كما لو أنه الطريق الأخير الذي سيرشدني إليكِ من جديد. أفتح بابها فأجدها فوضوية كالعادة، وغير مرتّبة، لكني أرى طرف الحزام الخاص بكِ ظاهراً بين كومة من قمصاني، فأُطبقُ عليه أصابعي لأسحبه من مكانه، أشدّه باتجاهي، ولكنني لا أعثر على طرفه الآخر أبداً، لا أذكر أنه كان طويلاً إلى هذه الدرجة. أسحبه بينما أمدّ ذراعي إلى الخلف، حتى تصبح خارج جسدي تماماً، ومع ذلك يبقى طرفه الآخر عالقاً في مكان ما، في العتمة بين ثيابي، فأرجع عدّة خطوات إلى الوراء، ويستمرّ تسلّل الحزام الهادئ، من فجوة ما في تلك الكومة القماشية. أُتابع خطواتي العكسية التي تكون ثابتة في البداية، ثم تفقد توازنها مع تسريعي لها، ألفّ الغرفة بكاملها على قدمي، ولكن النتيجة نفسها. أتابع سيري العكسي إلى الوراء. قطعة القماش تمتد إلى ما لا نهاية، أخرج من باب الشقّة، أهبط درجات السلّم بنفس الطريقة، أتعثّر عند بعضها، فأنهضُ وأُتابع المشي، أخرج من البناء، أصل إلى الطريق الرئيسي للسيّارات، ضوء الإشارة المرورية أخضر، يرتبك السائقون لدى رؤيتي، ويوقفون مركباتهم باضطراب مع ظهوري الفجائي أمامهم، تصطدم المركبات ببعضها، أسقط في مكان ما عند حافة الطريق، فأعجز عن الوقوف على قدميّ، أستغرب، ثم أتذكّر.. إنه المكان الذي وقفنا فيه ذات مرّة معاً، بعد منتصف الليل، في إحدى الليالي الباردة لوقت طويل، كان البرد قاسياً جداً عليكِ، ولكنكِ كنتِ سعيدةً مع ذلك، كنتِ ثملةً بعض الشيء، و كنتِ تعبّرين عن استيائك من الطقس بعبارات خاطفة ومضحكة، كنتِ تحاولين أن تقاومي البرد بحركات سريعة وخفيفة، فتمسكين بيدي، ترفعين أكتافكِ إلى الأعلى، ليغرق وجهك الطلق الجميل بينهما، حتى تلتصق ذقنكِ المستديرة نصف استدارة بصدرك، هذا الشكل الذي يحكي كثيراً كم أنتِ عاطفية وتحاولين البقاء متفائلة دوماً. هناك في ذلك المكان، كنتِ تجزّين على أسنانكِ وتعضّين على شفتيكِ غيظاً من البرد، تضغطين بذراعيك على جذعكِ، وأخيراً، تُطبقين كفّيكِ بشدة على أصابعي، تحكمين على يدي، وتفركين يديك بسرعة وهما تحيطان بيدي. أُحاول النهوض من جديد، وأعجز مرّة أُخرى، أُمسك الحزام، أضعه في فمي ضاغطاً عليه بأسناني، و هكذا يصبح سيري زحفاً عكسياً على يدي وكعبيّ، المركبات لا تزال في مكانها، الناس تنظر باتجاهي، الفوضى تثار في كل مكان أمرّ فيه، امرأة أربعينية تتجّه بخطى ثابنة نحوي، تنحني فوقي، تربّت على كتفي، و برقّة تسألني: ما الشيء الذي أنا متشبّث به، إلى هذه الدرجة بيدي وأسناني، الشيء الذي يعجز الآخرون عن رؤيته. أدفعها عني وأخبرها بأن تغرب عن وجهي، أقف على قدميّ، و أُتابع طريقي على غير هدي، أمرّ بشوارع جديدة وأجدني في مناطق بعيدة، ثم أخرج منها، و أخرج من المدينة، أمرّ بكل أزقّة هذا العالم تقريباً، باحثاً عنكِ، وأعود لغرفتي وحيداً مضّطرباً حزيناً يائساً، معذّب النفس والدماء من أثر الجروح، تسيل فوق كفّي و قدميّ، ولا أجدكِ.

كن أنت be yourself


كل ما كنتُ أسعى إليه، هو أن أكون نفسي وحسب..أن أكون نفسي على كل حال، لأنني رفضتُ دائماً العيش وفقاً لأهواء الآخرين، وأفكارهم، ورغباتهم، وتوقّعاتهم. رفضتُ دائماً الإنتماء لما كان يجمعهم. ليس تعالياً، ولكنني ببساطة كنت سريع النفور من كل شيء أبدو فيه شخصاً آخر...شخصاً لا يُشبهني.

إن الهدف الذي كنتُ أضعه نصب عينيّ كل يوم، ثم أمضي باتجاهه باذلاً كل جهدي لتحقيقه، هو أن أكون ما أنا عليه في الحقيقة تحت أي ظرف ومع أي كان، ودون الإكتراث للأحكام الغبية، والإتهامات الباطلة لي بالتجبّر والتعالي، ورويداً رويداً صرت أتقبّل هذه الإتهامات بهدوء وأضحك منها، فالناس لا يحتاجون ليعتبروك عدوّهم، أكثر من أن يخالف سلوكك وكلامك توقّعاتهم، أكثر من أن تكون على حقيقتك، من أن تراهم على حقيقتهم، وخاصة في عالم يسوده الزيف والإبتذال.

 أما هدفي الأصيل، فقد كان تحقيقه رهيباً وشاقّاً، لأن مثل هذه الغاية تكلّف الإنسان الكثير في طريقه إليها. إنها تكلّفه كل شيء تقريباً، إلا أنني كنت دائم الإصرار على بلوغها مع ذلك، لأن كلّ شيء آخر كان شديد التفاهة أمام هذه الغاية، غاية أن أكون نفسي على أية حال. صحيح أنني عشت صراعاً طويل الأمد في كفاحي، وأنني جربت كل أشكال الخذلان، وتعرّضت دائماً لتنمّر الأغبياء وانتقادهم في طريقي، صحيح أنني صرت وحيداً بكل معنى الكلمة وبإرادتي، ولكن المهم أنني بلغت غايتي الأسمى في النهاية. السؤال الذي عجزتُ باستمرار عن الإجابة عليه: لماذا كان هذا الأمر يزعج الآخرين بصورة دائمة؟.

The Crunch by Charles Bukowski


too much

too little

too fat
too thin
or nobody.

laughter or
tears

haters
lovers

strangers with faces like
the backs of
thumb tacks

armies running through
streets of blood
waving winebottles
bayoneting and fucking
virgins.

or an old guy in a cheap room
with a photograph of M. Monroe.

there is a loneliness in this world so great
that you can see it in the slow movement of
the hands of a clock.

people so tired
mutilated
either by love or no love.

people just are not good to each other
one on one.

the rich are not good to the rich
the poor are not good to the poor.

we are afraid.

our educational system tells us
that we can all be
big-ass winners.

it hasn't told us
about the gutters
or the suicides.
                                                                                                     
or the terror of one person
aching in one place                                            
alone

untouched
unspoken to

watering a plant.

people are not good to each other.
people are not good to each other.
people are not good to each other.

I suppose they never will be.
I don't ask them to be.

but sometimes I think about
it.

the beads will swing
the clouds will cloud
and the killer will behead the child
like taking a bite out of an ice cream cone.

too much
too little

too fat
too thin
or nobody

more haters than lovers.

people are not good to each other.
perhaps if they were
our deaths would not be so sad.

meanwhile I look at young girls
stems
flowers of chance.

there must be a way.

surely there must be a way we have not yet
thought of.

who put this brain inside of me?

it cries
it demands
it says that there is a chance.

it will not say
"no."

نشأة قذرة



يولد الإنسان ضعيفاً باكياً، يولد بجلد رقيق، ويدين صغيرتين، وجمجمة هشّة يغطيها القليل من الشعر الناعم والجلد. يقضي الشهور الأولى من حياته، ثابتاً في مكانه، مُستلقياً على ظهره، ومُكتفياً بتحريك أطرافه، ومصّ أصابعه الغضّة، واللعب في وجهه، وصدر أمه وخدشهما في بعض الأماكن. تنقضي بضعة أشهر، ويتعلّم هذا الكائن الصغير الحبو، فتصبح خزانة الأحذية عندئذ هدفه الأول والأخير، وغايته الأسمى، في كلّ مرّة يحبو فيها. 

يمضي إليها، ويجلس بجانبها، ثم يبدأ بحمل الأحذية الثقيلة بالنسبة لحجم جسده ويستعين في ذلك بقبضتيه الصغيرتين. يلوّح بالأحذية في الهواء بحركة سريعة، ودون انتظام أحياناً، وأحياناً يجرّها ببطء وثبات، في المساحة الصغيرة أمامه على الأرض، ليرسم بها، خطوطاً لا يراها، ولا يفهمها أحد سواه. في بعض الأيام،، يكتفي ذلك الكائن الغامض الجميل بحمل الحذاء، وضمه لصدره، وحتى معانقته وتقبيله بطريقة مضحكة. 

عندما تقوى عظامه، وتساعده على الوقوف والمشي، يشرع في محاولاته، المحكوم عليها بالفشل، بارتداء الأحذية، فيسقط بعد خطوات قليلة، ويجرّب ذلك مرّات عديدة، ويسقط مرّات كثيرة، ولكنه لا يتعب، ولا يمل، كما لو أن أمر الأحذية بالنسبة له أمتع ما في الدنيا. تمرّ الأيام، ويكبر الكائن الصغير، ليغدو بالغاً عاقلاً، فتصبح تلك الصور والتجارب قي ممرّات بيته وعلى عتباته، مجرّد ذكريات قديمة، ومرحلة من الماضي، لا يذكرها أصلاً، ولا يفهم سبب انجذابه للأحذية وتعلّقه بها حينها، غير أن هناك من يحافظ على هذه العادة، وتتحول عنده إلى غريزة، فيدافع عنها بشراسة،ويسعى لإشباعها حتى بعد كبره، فتجده يمضي مسرعاًَ باتجاه الأحذية البشربة كلما رآها، ويقع في حبّها مباشرةً.

ألم و ملل Pain and boredom



إنني أُشفقُ على جسدي من الطريقة التي يعمل بها دماغي، فحتى عندما يغرق جسدي في النوم، أو بالأحرى ، يطفو عليه، لأن الغرق مبالغ فيه في حالتي الخاصة، ولكن حتى عندما يحدث ذلك، لا ينام دماغي على الإطلاق، أدركتُ ذلك منذ فقداني لترف الشعور بالخيبة بعد حلم عابرٍ وعذب خفيف، وكذلك ترف الشعور بالأمان بعد الكوابيس الثقيلة والمرعبة. لا أعرف كيف أُفسّر هذه الحالة على الرغم من شدة وضوحها، ولا يسعني تسميتها أو حتى تحديدها، ذلك أنني لم أسمع أو أقرأ عنها من قبل، كما فقدتُ رغبتي باستشارة أخصائي ما، فلماذا سأفعل ذلك؟ وكيف يُمكن لهذا الأخصائي أن يساعدني أو ينقذني؟ كيف يمكنني أن أشرح له؟ أن أجعله يفهم؟ أن أقول له: أنني وحتى عندما أكون نائماً تماماً، أعرف أن ما أشاهده في نومي من أحداث مُبهجة أو شنيعة، أعرف أن تلك الأحداث مجرّد كوابيس أو أحلام، أقصد أنني أعرف ذلك حتى وأنا نائم تماماً، ولذلك حين أنهض من كابوس ما، لا أكون مذعوراً بالمرّة، بل فقط أشعر بضيق في التنفّس، يتلاشى بشهيق واحد أحياناً، أما حين أصحو من الأحلام المبهجة فلا أشعر بخيبة أو أي شيء آخر على الإطلاق، وحين أصحو ولو كان ذلك بعد نومي الذي ومنذ سنوات لا يتجاوز ثلاثة ساعات في حدّه الأقصى، أو مثلاً بعد ربع ساعة من النوم، فإنه من المستحيل أن أتمكّن من العودة للنوم مرّةً أُخرى في الليلة نفسها، فغالباً ما أرقبُ بعد سهر طويل، شروق وغروب يوم جديد مع مرور نهاره و هبوط ظلامه، و انقضاء ليله وتلاشيه ببزوغ فجر يوم آخر وهكذا دواليك حتى انتهاء فترات اليوم الجديد مرّة أُخرى، دون أن أنام. كنتُ أذهب لعملي في السابعة صباحاً، وأبقى هناك حتى الخامسة عصراً، ثم أرجع لمنزلي لأقضي الليل بطوله -برغم قواي المهدودة- دون رقود، وأعود لعملي في اليوم التالي. وكان يصاحب هذه العادة شعور غريب بأنني أعود لمكان العمل الذي غادرته للتوّ، فأُصابُ بالإحباط الشديد.
بالطبع جرّبت بعض أنواع الحبوب المنوّمة ومضادات الإكتئاب، ولكنها لم تساعدني بالمرّة، وليس ذلك بسبب اعتياد جهازي العصبي على المُهدّئات، فأنا لا أُعاني أي نوع من أنواع الإدمان،باستثناء التفكير، ولا أتعاطى أي نوع من أنواع المُخدّرات، باستثناء التدخين، ولكن المدخّنين أيضاً ينامون، كما أن الأمر ذاته لازمني حتى عندما أقلعتُ عن التدخين، وواظبتُ على ممارسة الرياضة وألعاب القوّة لسنوات طويلة وبشكل مفرط كان يمتد إلى ثلاثة ساعات كل يوم، الشيء الذي ما زلت مستمراً في ممارسته حتى اليوم على نحو أقل.
أدركُ تماماً أنّ المشكلة ليست عضوية،وهذا ما أكده لي الطبيب الذي قمت بزيارته مكرهاً، ليقيني المسبق بأنني سأكون حالته المُربكة والمستعصية -كما وصفني طبيب سابق- بعد انهياري في الأشهر الماضية، وهذا أيضاً فشلت وصفته الطبيّة و نصائحه في مساعدتي.أدركُ تماماً أنّ السبب الكامن وراء كل هذه المعاناة، هو الطريقة التي أفكّر بها وحسب، ولذلك فلا أبالغ أبداً حين أعبّر عن شفقتي على جسدي من دماغي.
هناك عادات اكتسبتها من جرّاء سهري في الليالي الطويلة: أحاولُ أحيانا عندما أكون منهكاً تماماً أن أتحسّس نبضي، فأضغط بيدي على صدري فوق منطقة القلب، وكل ما أصل إليه مجرد نبض خافت وخجول، أما النبض القوي والواضح الدقيق، فذلك ما أتحسّسه حين أضغط باليد نفسها على صدغي أو جبهتي. إنني أشعر بهيجان دماغي وتخبّطه بداخل رأسي، كما لو أنه خنزير مذبوح في الدقائق الأخيرة من حياته، يأخذ يضرب بحوافره القويّة عظام جمجمتي، إنّه يفكّر بعشرات الأشياء ويتخيّل آلافها في نفس الوقت وبسرعة هائلة، تجعلني أبدو كما لو أنني مقيّد إليه من معصميّ، كما لو أنّه كتيبة من الجنود القساة تجرّني خلفها بلا رحمة، فلا يسعني إلا البقاء زاحفاً على الأرض وراءها، مُستجدياً شفقتها. إنّه يصل بي أحياناً إلى درجات عالية من التركيز، بحيث يمكنني الشعور بجريان الدماء السّريع تحت جلدي في شراييني، وغليانها في أطرافي. لا أفهم الغباء الذي يجعل فئة من الناس تعتقد أن التفكير مجرّد شيء موجود يُمكن الإقبال عليه أو الإعراض عنه، ولا أفهم كيف يستطيع الناس أن يطالبوا من هم في مثل حالتي بالتوقّف عن التفكير ببساطة، ولكنّني متأكّد أن لا أحد يجرؤ على التفوّه بمثل هذه التفاهة، إلا شخص لم يفكّر لدقيقتين متتاليتين طوال حياته. إن الحلم الوحيد الذي مازلتُ محتفظاً به بعد فناء جميع أحلامي، و رؤيتي لجميع كوابيسي، هو أن يأتي يوم أمتلك فيه الأنانية الكافية لوضع رصاصة في رأسي.

سفر بدون وجهة و لا مذاق




حين كنت صغيراً، رأيت في أفلام الأطفال التي كنت أشاهدها حينذاك، ووجدت في الكتب التي قرأتها أن السفر شيء رائع حقاً. غون ودّع خالته، سامبي ودّع أخته، الكابتن ماجد ودّع أمه، الكابتن رابح ودّع عمّته، وبطل موراكامي، كافكا تامورا، احتضنته الآنسة ساييكي وأوشيما بعد فراره من منزل أبيه. كانوا يقفون ببوابات القطارات وهي تقلع على مهلٍ، أو على ظهور السفن وهي تبحر من الموانئ، يلوّحون بأيديهم لأفراد عائلاتهم وأصدقائهم، وهم في طريقهم نحو البلاد الغريبة. عقب وصولهم كانوا يلتقون بأناس طيّبين، يتناولون أطعمة شهية، يمرّون بقرى صغيرة ودافئة، يزورون أماكن جميلة، يعملون بنشاط، يمارسون هواياتهم، يقرؤون الكتب، يخوضون الصعاب، ينعمون بالسعادة، يجمعون خبرات جديدة، ويصنعون ذكريات طيبة، ثم يعودون ويقصّون تجاربهم على أحبائهم. منذ تلك الأيام تكوّنت لديّ الرغبة بالسفر، وبالفعل بلغت ذروتها في الثامنة عشرة من عمري. ما أن أنهيتُ دراستي الثانوية فكّرتُ: البلد صغير جداً على أحلامي الكبيرة، والتعليم هنا سيئ ورديء، الجامعات لن تفيدني في شيء إلا إذا خضت فروعها العلمية، ولكن هذا ليس عالمي، فقد كانت ومازالت ميولي محصورة في مجال الفنون، ميول أدبيّة بحتة، قلتُ لنفسي: ما سأتعلّمه في الجامعة، أستطيع تعلّم أفضل منه بجهدٍ شخصي وهذا ما فعتله فعلاً وتعبتُ في تحصيله لسنين طويلة. بعد أيام من بلوغي الثامنة عشرة، تمرّدت على جميع أفراد عائلتي، وقراراتهم بشأن ما يجب عليّ فعله، ذهبتُ لدائرة الهجرة والجوازات وقمت باستصدار جواز سفر بعد أن جمعت الوثائق الضرورية للمعاملة، وسافرت بعد ذلك بعدة أشهر. مضيتُ أنا، وأخي وأمي بسيارة حتى وصلنا المحطّة التي تنطلق منها الحافلات نحو المدن الأخرى، جلسنا في مقهى صغير، تناولنا وجبات خفيفة وأتبعناها ببعض القهوة والسجائر، صعدتُ إلى الحافلة في الموعد المحدد بعد وداعهم، ولوّحت لهما بمودّة بيدي هذه من النافذة. ثم اتجهت إلى المطار وحيداً. كان الجوّ شتوياً، أواخر شباط، تتحرّك السحب ببطء، ويسترسل شعاع القمر، نافذاً من بين قطع الغيوم، يلقي بظلاله فوق العالم، ويمسح بنوره الأرض المُبلّلة، والأشجار، والشاطئ، والحافلات، ووجوه المسافرين، وواجهات مكاتب الحجز، والأبنية القريبة، والذرى البعيدة. كانت تمطر بهدوء واضح كما لو أن المطر يرشح من مجرى قريب، ضيّق وصغير، وليس من السماء الواسعة والبعيدة. رأيتُ حبّات المطر تتساقط لتستقرّ على جبين أمي، ثم تتدحرج برقّة فوق وجهها الرقيق لتمتزج في النهاية بدموعها، كان أخي الكبير يحيطها بذراعه، ويربّت على كتفها، تميل عليه بهدوء وتنظر إلي بحسرة. لقد مضت عشرة أعوام على هذه الذكرى، وشقّيتُ طريقي بنزاهة في البلاد الجديدة، كنت صادقاً، عملتُ بجدّ وإخلاص، قدّمتُ ما بوسعي، وكنتُ وحيداً دائماً في رحلتي هذه، دائماً. ارتكبت بعض الأخطاء المفهومة، وتمّ خداعي في بعض الأحيان، وقعت ببعض المآزق وتعلّمتُ منها، ثم تجاوزتها بمفردي. خذلني أقرب الناس، ومزّقت الخيبات قلبي، توالت وكثرت، وتركت فيّ جرحاً نابضاً. مرّت أعوام صعبة وطويلة، ولكنني لم أختبر شيئاً من الأشياء التي حدثت مع كافكا وغون ورابح وسامبي وماجد، ولم أشعر بشيء مما أحسّوا به من طمأنينة وأمان. لم ترَ عيني ما رأوه من جمال ووداعة، لم أرَ غير القسوة والنكران، ولم يغمرني شعور غير الوحشة، وفشلت دائماً في سحق شعوري بالإغتراب والوحدة. لا أعرف لماذا كان الأمر بشعاً ومعقداً إلى هذه الدرجة.