vendredi 27 septembre 2019

❤عشق أجنبي ❤





أثناء تعلّمي لإحدى اللغات الأجنبية، نشأت صداقة بيني وبين فتاة روسية كانت معي في نفس المسار الدراسي.
مرّة، في فترة الإستراحة، دار بيننا حديث عن الطعام، وأهم ما يميز المطبخ العربي والمطبخ الروسي. وحين انتهى النقاش الذي أصابني بالملل ولم أشاركها به إلا خجلاً، عوّضتني عما شعرت به من ضيق خلال الحديث بسؤالها المفاجئ:
_ أتعرف؟ هناك اعتقاد شائع في روسيا، مفاده أنّ الرجل الذي لا يُجيد الطبخ، هو حتماً غير قادر على إرضاء زوجته في السرير .
_بقيت حينها صامتاً، فلم أجب بكلمة واحدة، واكتفيت بهزّ رأسي. وأنا أرمقها بنظرة هادئة، ولكن مخادعة، وكنت أقول في نفسي: لا بأس، اسخري مني الآن. قولي في سرّك أنني غبي وأبله، أنني بارد، أنني لم أفهمكِ. فلن يدوم هذا طويلاً على كل حال
بعد انتهاء ساعات الدوام في ذلك اليوم، رجعتُ لغرفتي مسرعاً، وقمتُ بتحضير إحدى الوجبات العربيّة. فعلت كل ما بوسعي لأجعلها تبدو شهيّة ولائقة، ثم وزّعتها على عدّة أطباق مسطّحة بعد تنظيفها بشكل خرافي. نقلت الأطباق إلى الطاولة وهيّأت لها كادر تصوير هوليودي، حتى نيكول كيدمان تشتهي أن يعدّ لها الفنّيون مثله في أفلامها لتقف فيه خلال مشاهدها.
وجّهت على الحيّز المراد تصويره الإضاءة المناسبة، مصباح المطبخ، أشعة الشمس، أحضرت حتى مصباح المكتب من الغرفة للمطبخ، ووضعته في زاوية خارج الكادر، كما استخدمت ما وجدته عندي من أوراق ألومنيوم كألواح عاكسة، وفي النهاية أشعلت بعض الشموع، ووضعتها هنا وهناك لإضافة شيء من الجمال والحياة على المشهد العادي والبارد. شيء يريح العين ويدفّئ القلب.
التقطت صوراً كثيرة للأطباق حتى حصلتُ على صورة أجمل بكثير من التي رسمتها في خيالي، في اللحظة التي أخبرتني بها عن الإعتقاد الشائع في روسيا، الإعتقاد الذي بقيت للحظات ممتناً له أكثر من جميع الكتب التي قرأتها لدوستويفسكي، كيف لا وقد ساعدني هذا الإعتقاد الساذج والبسيط على أن أعبر للفتاة عن رغبتي الجامحة بها وبكل ما فيها، دون كلمة واحدة.
فرغت من تصوير الوجبة التي لم تعد صالحة للأكل أصلاً، وصارت بحاجة للتسخين، ثم أرسلت بعض الصور للفتاة الجميلة لدرجة قاتلة وسألتها:
_ما رأيك؟
_ضحكت ضحكة طويلة كادت أن تملأ الشاشة، وكتبت بعدها، ماذا تقصد؟
_ لا تسيئي فهمي يا ماريا، مجرد وجبة حضّرتها للتو، وشاركتك صورها بعد أن تذكرت حديثنا اليوم عن الطعام
_فقط؟
_طبعاً، ماذا تقصدين؟ لا أفهمك!
_حسناً، لا بأس. تبدو شهية فعلاً، استمتع!
أحبطني انتهاء المحادثة على هذا النحو، وفكرت بطريقة لاستمرارها، فاخترعت من أجلها اعتقاداً جديداً، وأقحمته سرّاً في ثقافة العرب والوعي الجمعي لأكثر من 300 مليون إنسان. كتبت لها:
_ماريا
_نعم؟
_هناك اعتقاد شائع في العالم العربي، مفاده أن الرجل الذي يتناول طعامه بمفرده دائماً، يموت مبكراً من الحزن والوحدة.
_واو، يبدو أقرب إلى المنطق من الإعتقاد الروسي.
_أعرف، بصراحة أنا أتناول الطعام بمفردي منذ سنين طويلة. ولذلك سأدعوكِ غداً لتناول الغداء معي في بيتي، بعد نهاية الدوام ، وهكذا أعلمك طريقة التحضير ، وأخبركِ عن المكونات الأساسية. موافقة؟
_ضحكت مرّة أخرى، وقالت: طبعاً موافقة، هل تراني مغفّلة؟
_غمر السرور قلبي، فكتبت لها: لقد قبلتِ دعوتي، من المستحيل أن تكوني كذلك، أنتِ عبقرية!
_اتفقنا
_ بالتأكيد، إلى اللقاء
_إلى اللقاء
تركت الهاتف من يدي، ورحت أتخيّل أحداث اليوم التالي الذي انتظرته دائماً طوال تلك الليلة، فشعرتُ بأن الوقت يمضي ببطء شديد، إلا أنني غرقت في نومي أخيراً.
في الصباح التالي، نهضت من نومي مع نفس الشعور المزعج ببطء مرور الوقت. أمسكت هاتفي المحمول وضحكت من اندفاعي. اتصلت بها، وقلت لها متردداً، خوفاً من الإحراج من احتمال أن يكون أحدنا قد أساء فهم الآخر، وفي كلامي نجحت بإخفاء نبرة التردد والشكّ في صوتي، حافظت على هدوئي المفتعل وثقتي، وقلت لها :
_اسمعيني جيداً، لقد نفذ صبري. لتذهب لغات العالم كلّه إلى الجحيم. اليوم لن نحضر الدروس، وسندرس لغتنا الخاصة وعلى طريقتنا الخاصة. أنتظرك عند الساعة التاسعة في بيتي.
_ جيد، لقد خطرت لي الفكرة نفسها.
_توقّعت، قلت لك أنك عبقرية!
_ أرسل لي عنوانك.
أرسلت لها العنوان، وانتظرتها من جديد بفارغ الصبر، وبالفعل جاءت قبل التاسعة بدقائق. استقبلتها كما ينبغي، ورحّبت بها ترحيب العرب بضيوفهم، وقمنا معاً بتحضير الوجبة وباحترافية عالية. وفي تحضيرها أخذنا كل التفاصيل الدقيقة بعين الإعتبار، ومنحنا كل شيء حقه، خطوة خطوة، حركة حركة، لمسة لمسة، قطعة ثياب قطعة ثياب، قبلة قبلة. استمتعنا بتناولها بشكل لا يصدّق، ولكن لسوء الحظ فقدت الوجبة أشهى طعم يميّزها بسبب افتقارها لآخر وأهم مكون من مكوناتها، وهذا لاضطرارنا في الثواني الأخيرة أن نرشّ الملح خارج قدر الطهي، حفاظاً على سمعة الفتاة الغذائية.





Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire