إنني أُشفقُ على جسدي من الطريقة التي يعمل بها دماغي، فحتى عندما يغرق جسدي في النوم، أو بالأحرى ، يطفو عليه، لأن الغرق مبالغ فيه في حالتي الخاصة، ولكن حتى عندما يحدث ذلك، لا ينام دماغي على الإطلاق، أدركتُ ذلك منذ فقداني لترف الشعور بالخيبة بعد حلم عابرٍ وعذب خفيف، وكذلك ترف الشعور بالأمان بعد الكوابيس الثقيلة والمرعبة. لا أعرف كيف أُفسّر هذه الحالة على الرغم من شدة وضوحها، ولا يسعني تسميتها أو حتى تحديدها، ذلك أنني لم أسمع أو أقرأ عنها من قبل، كما فقدتُ رغبتي باستشارة أخصائي ما، فلماذا سأفعل ذلك؟ وكيف يُمكن لهذا الأخصائي أن يساعدني أو ينقذني؟ كيف يمكنني أن أشرح له؟ أن أجعله يفهم؟ أن أقول له: أنني وحتى عندما أكون نائماً تماماً، أعرف أن ما أشاهده في نومي من أحداث مُبهجة أو شنيعة، أعرف أن تلك الأحداث مجرّد كوابيس أو أحلام، أقصد أنني أعرف ذلك حتى وأنا نائم تماماً، ولذلك حين أنهض من كابوس ما، لا أكون مذعوراً بالمرّة، بل فقط أشعر بضيق في التنفّس، يتلاشى بشهيق واحد أحياناً، أما حين أصحو من الأحلام المبهجة فلا أشعر بخيبة أو أي شيء آخر على الإطلاق، وحين أصحو ولو كان ذلك بعد نومي الذي ومنذ سنوات لا يتجاوز ثلاثة ساعات في حدّه الأقصى، أو مثلاً بعد ربع ساعة من النوم، فإنه من المستحيل أن أتمكّن من العودة للنوم مرّةً أُخرى في الليلة نفسها، فغالباً ما أرقبُ بعد سهر طويل، شروق وغروب يوم جديد مع مرور نهاره و هبوط ظلامه، و انقضاء ليله وتلاشيه ببزوغ فجر يوم آخر وهكذا دواليك حتى انتهاء فترات اليوم الجديد مرّة أُخرى، دون أن أنام. كنتُ أذهب لعملي في السابعة صباحاً، وأبقى هناك حتى الخامسة عصراً، ثم أرجع لمنزلي لأقضي الليل بطوله -برغم قواي المهدودة- دون رقود، وأعود لعملي في اليوم التالي. وكان يصاحب هذه العادة شعور غريب بأنني أعود لمكان العمل الذي غادرته للتوّ، فأُصابُ بالإحباط الشديد.
بالطبع جرّبت بعض أنواع الحبوب المنوّمة ومضادات الإكتئاب، ولكنها لم تساعدني بالمرّة، وليس ذلك بسبب اعتياد جهازي العصبي على المُهدّئات، فأنا لا أُعاني أي نوع من أنواع الإدمان،باستثناء التفكير، ولا أتعاطى أي نوع من أنواع المُخدّرات، باستثناء التدخين، ولكن المدخّنين أيضاً ينامون، كما أن الأمر ذاته لازمني حتى عندما أقلعتُ عن التدخين، وواظبتُ على ممارسة الرياضة وألعاب القوّة لسنوات طويلة وبشكل مفرط كان يمتد إلى ثلاثة ساعات كل يوم، الشيء الذي ما زلت مستمراً في ممارسته حتى اليوم على نحو أقل.
أدركُ تماماً أنّ المشكلة ليست عضوية،وهذا ما أكده لي الطبيب الذي قمت بزيارته مكرهاً، ليقيني المسبق بأنني سأكون حالته المُربكة والمستعصية -كما وصفني طبيب سابق- بعد انهياري في الأشهر الماضية، وهذا أيضاً فشلت وصفته الطبيّة و نصائحه في مساعدتي.أدركُ تماماً أنّ السبب الكامن وراء كل هذه المعاناة، هو الطريقة التي أفكّر بها وحسب، ولذلك فلا أبالغ أبداً حين أعبّر عن شفقتي على جسدي من دماغي.
هناك عادات اكتسبتها من جرّاء سهري في الليالي الطويلة: أحاولُ أحيانا عندما أكون منهكاً تماماً أن أتحسّس نبضي، فأضغط بيدي على صدري فوق منطقة القلب، وكل ما أصل إليه مجرد نبض خافت وخجول، أما النبض القوي والواضح الدقيق، فذلك ما أتحسّسه حين أضغط باليد نفسها على صدغي أو جبهتي. إنني أشعر بهيجان دماغي وتخبّطه بداخل رأسي، كما لو أنه خنزير مذبوح في الدقائق الأخيرة من حياته، يأخذ يضرب بحوافره القويّة عظام جمجمتي، إنّه يفكّر بعشرات الأشياء ويتخيّل آلافها في نفس الوقت وبسرعة هائلة، تجعلني أبدو كما لو أنني مقيّد إليه من معصميّ، كما لو أنّه كتيبة من الجنود القساة تجرّني خلفها بلا رحمة، فلا يسعني إلا البقاء زاحفاً على الأرض وراءها، مُستجدياً شفقتها. إنّه يصل بي أحياناً إلى درجات عالية من التركيز، بحيث يمكنني الشعور بجريان الدماء السّريع تحت جلدي في شراييني، وغليانها في أطرافي. لا أفهم الغباء الذي يجعل فئة من الناس تعتقد أن التفكير مجرّد شيء موجود يُمكن الإقبال عليه أو الإعراض عنه، ولا أفهم كيف يستطيع الناس أن يطالبوا من هم في مثل حالتي بالتوقّف عن التفكير ببساطة، ولكنّني متأكّد أن لا أحد يجرؤ على التفوّه بمثل هذه التفاهة، إلا شخص لم يفكّر لدقيقتين متتاليتين طوال حياته. إن الحلم الوحيد الذي مازلتُ محتفظاً به بعد فناء جميع أحلامي، و رؤيتي لجميع كوابيسي، هو أن يأتي يوم أمتلك فيه الأنانية الكافية لوضع رصاصة في رأسي.

<3
RépondreSupprimergood
RépondreSupprimer