كنت أراكِ في الفترة الأخيرة تغرقين في حزنكِ أمامي، وكان ذلك يعذّبني. كنت أعرف أن هناك خطباً ما. كان يعزّ علي فقداني للقدرة على إنقاذك مما يجعلكِ تعانين بهذه الشدّة والمرارة. أنتِ لم تقولي شيئاً، وأنا لم أسأل. ليس إهمالاً منّي. ولكنك تعرفينني جيّداً، لست جيّداً بالمرّة في مواساة الآخرين، لست جيداً في أن أهوّن عليهم ما يعذّبني أنا نفسي.
هذه التفاصيل الصغيرة التي تمرّ في حياة كلّ منا، الأشياء التي يعجز الكثيرون حتى عن ملاحظتها، ومنهم من يراها تافهة لا تستحق الوقوف عندها، بينما تذبحنا من الداخل، نحن الذين نرى ونفكّر ونشعر أكثر من اللازم، هذه النعمة أو ربما النقمة، لست أدري! هذه الميّزة التي جعلتنا في النهاية نقدّر الأشياء الصادقة مهما كانت بسيطة، وبالتالي تستطيع الأشياء الصغيرة أيضاً أن تزرع السمّ في قلوبنا لوقت طويل، تستطيع أن تدمّرنا حين تكون في غير مكانها، حين تكون جارحة في حقّنا. لم تقولي شيئاً، ولكنّني كنت أستطيع أن أرى بوضوح أنكِ لستِ على سجيّتك، أنّكِ لستِ على ما يرام. كنت ألاحظ ذلك في كلامكِ، نبرة صوتك، خطواتكِ الثقيلة، الطريقة التي تضحكين بها، ردّات فعلك، ضعف شهيّتكِ للطعام، ما تسمعينه من موسيقى، وما تشاهدينه من أفلام، الشعر الذي يتساقط لسوء حالتك النفسيّة، ويبقى ورائك على الوسادة حين تنهضين من نومك، وحتى في الكتب التي كنتِ تأخذينها من المكتبة وتقرأينها قبل النوم. الكتب التي لطالما عبّرتِ عن استغرابكِ من قدرتي على تحمّل قراءتها، وما تحمله من أفكار سوداوية ونظرة تشاؤمية للإنسان والعالم. وأخيراً كنت أرى تعبكِ وانطفاء قلبك في إهمالك للأشياء التي تعني الكثير لكل امرأة على هذه
.الأرض
: أظافركِ، شعركِ، جسدكِ، بشرتكِ، الأحذية والملابس البسيطة التي كنتِ تختارينها حين نخرج معاً
كان يعذّبني اضطرابك المفاجئ هذا، ويزيد من اضطرابي. ومع ذلك رفضتُ دائماً أن أزيد من آلامكِ بإصراري على معرفة مشاكلك وما تفكّرين به، ولذلك بقيتُ إلى جانبكِ صامتاً وحسب، بقيتُ محاولاً أن أخفي تعاستي التي أيضاً تعلمين بسيطرتها الدائمة على نفسي. بقيتُ محاولاً أن أكون صلباً في وقوفي معكِ، وهيّناً عليكِ. دفنتُ آلامي جميعها في مكان خفيّ بداخلي، وحاولت دائماً أن أشارككِ الأشياء المبهجة وحسب. كنتُ أفعل كلّ ما بوسعي لتعرفي أنكِ تستطيعن الإعتماد علي والهروب إليّ متى أردتِ، لتعرفي أنني دائماً سأكون في صفّك. ما أكثر الأشياء التي وددت أن أخبركِ بها! كنت دائماً ما أحدّث بها نفسي، كنت أودّ أن أقول لكِ الكثير، ولكنني لم أجد فرصة تساعدني، لم أنجح في البوح بالأشياء بطريقة لا تبدو فيها كعزاء مبتذل وسخيف. بطريقة تبدو فيها أصيلة وصادقة وغير متكلّفة، حاولت قولها على نحو تبدو معه في كلامي، على الأقل قريبة من الصورة التي تبدو عليها بداخلي. تردّدتُ حتى هذه المرّة، ولكنني أشعر أنه عليّ أن أقول لكِ الآن كلّ شيء، كل شيء:
إن كلّ ما أستطيع أن أرغب به الآن، هو أن تكوني بخير دائماً. أن تحافظي على ثباتكِ وشغفكِ. من الثبات ما يكفي لتحمّل الأشياء التعيسة والمحتّمة في هذه الحياة بهدوء، ومن الشغف ما يكفي لانتظار اليوم التالي بشيء من الرضا والحماس. ما أرغب به حقاً، هو أن تبقى الأشياء التي تفضّلينها جميلة في نظركِ، وقادرة على أن تبعث السلام في نفسكِ، والدفء في قلبك. قادرة على أن تجعل عينيكِ تتوهّج حين تشاهدينها وتقع بين يديكِ. هذا كل ما أرغب به، ليس لأنكِ تعني لي الكثير وحسب، ليس لهذا السبب وحده، بل لأنكِ فعلاً تستحقين ذلك، لأنكِ جديرة بهذه الطمأنينة. أعرف أنني يائس بما فيه الكفاية لعجزي عن مساعدتكِ في هذا الشأن، ولكن حاولي بكل ما لديكِ من قوّة أن تكوني كذلك، وأن تُبقي على روحكِ خفيفة، أن تبحثي عما يغمرها بالبهجة والسرور.
لا أقول لكِ أن تفعلي هذا بغض النظر عن تعاسة العالم وسطوتها، بل العكس تماماً، بفتح الأعين عليها ومراقبتها كشيء بالغ الخطورة، عليكِ أن تحذريه دائماً.
تستطيعين أن تشعري بالحزن الشجيّ في بعض الأحيان، ذلك الذي يُهدّئ النفس دون أن يدمّرها، ولكن إياكِ أن تصلي للحزن الكامد الشديد، لأنه ينقلب مع مرور الوقت إلى يأسٍ عميق لا يمكن للإنسان أن يتخلّص منه، أو يُحطّم قيوده متى صار خلفها. أعرف هذا من نفسي، أعرفه بتجربة، فهذا الإكتئاب الصامت الذي يختفي وراء سلوك هادئ كالوحش تماماً، يدكُّ النفس دكّاً ويجعلها خراباً، وفي النهاية يعمّر بها الإحباط والكآبة. وفي الكآبة تكمن جميع الشرور. إن التلف النفسي لا يبقى نفسيّاً، ولا بدّ أن يصبح عضويّاً في يوم من الأيام، وعندئذ لن تشعري بأن روحكِ ثقيلة وحسب، بل جسدكِ بكامله، ستشعرين بالكآبة تجري مع دمائك وتثقل أطرافكِ، وعندئذ سترفضين حتى مغادرة غرفتك، وتؤثرين البقاء فيها وحيدةً دائماً، وأنتِ بالطبع أكثر نبلاً وجمالاً من أن تعيشي مثل هذه الحياة البشعة والرديئة.
هذه التفاصيل الصغيرة التي تمرّ في حياة كلّ منا، الأشياء التي يعجز الكثيرون حتى عن ملاحظتها، ومنهم من يراها تافهة لا تستحق الوقوف عندها، بينما تذبحنا من الداخل، نحن الذين نرى ونفكّر ونشعر أكثر من اللازم، هذه النعمة أو ربما النقمة، لست أدري! هذه الميّزة التي جعلتنا في النهاية نقدّر الأشياء الصادقة مهما كانت بسيطة، وبالتالي تستطيع الأشياء الصغيرة أيضاً أن تزرع السمّ في قلوبنا لوقت طويل، تستطيع أن تدمّرنا حين تكون في غير مكانها، حين تكون جارحة في حقّنا. لم تقولي شيئاً، ولكنّني كنت أستطيع أن أرى بوضوح أنكِ لستِ على سجيّتك، أنّكِ لستِ على ما يرام. كنت ألاحظ ذلك في كلامكِ، نبرة صوتك، خطواتكِ الثقيلة، الطريقة التي تضحكين بها، ردّات فعلك، ضعف شهيّتكِ للطعام، ما تسمعينه من موسيقى، وما تشاهدينه من أفلام، الشعر الذي يتساقط لسوء حالتك النفسيّة، ويبقى ورائك على الوسادة حين تنهضين من نومك، وحتى في الكتب التي كنتِ تأخذينها من المكتبة وتقرأينها قبل النوم. الكتب التي لطالما عبّرتِ عن استغرابكِ من قدرتي على تحمّل قراءتها، وما تحمله من أفكار سوداوية ونظرة تشاؤمية للإنسان والعالم. وأخيراً كنت أرى تعبكِ وانطفاء قلبك في إهمالك للأشياء التي تعني الكثير لكل امرأة على هذه
.الأرض
: أظافركِ، شعركِ، جسدكِ، بشرتكِ، الأحذية والملابس البسيطة التي كنتِ تختارينها حين نخرج معاً
كان يعذّبني اضطرابك المفاجئ هذا، ويزيد من اضطرابي. ومع ذلك رفضتُ دائماً أن أزيد من آلامكِ بإصراري على معرفة مشاكلك وما تفكّرين به، ولذلك بقيتُ إلى جانبكِ صامتاً وحسب، بقيتُ محاولاً أن أخفي تعاستي التي أيضاً تعلمين بسيطرتها الدائمة على نفسي. بقيتُ محاولاً أن أكون صلباً في وقوفي معكِ، وهيّناً عليكِ. دفنتُ آلامي جميعها في مكان خفيّ بداخلي، وحاولت دائماً أن أشارككِ الأشياء المبهجة وحسب. كنتُ أفعل كلّ ما بوسعي لتعرفي أنكِ تستطيعن الإعتماد علي والهروب إليّ متى أردتِ، لتعرفي أنني دائماً سأكون في صفّك. ما أكثر الأشياء التي وددت أن أخبركِ بها! كنت دائماً ما أحدّث بها نفسي، كنت أودّ أن أقول لكِ الكثير، ولكنني لم أجد فرصة تساعدني، لم أنجح في البوح بالأشياء بطريقة لا تبدو فيها كعزاء مبتذل وسخيف. بطريقة تبدو فيها أصيلة وصادقة وغير متكلّفة، حاولت قولها على نحو تبدو معه في كلامي، على الأقل قريبة من الصورة التي تبدو عليها بداخلي. تردّدتُ حتى هذه المرّة، ولكنني أشعر أنه عليّ أن أقول لكِ الآن كلّ شيء، كل شيء:
إن كلّ ما أستطيع أن أرغب به الآن، هو أن تكوني بخير دائماً. أن تحافظي على ثباتكِ وشغفكِ. من الثبات ما يكفي لتحمّل الأشياء التعيسة والمحتّمة في هذه الحياة بهدوء، ومن الشغف ما يكفي لانتظار اليوم التالي بشيء من الرضا والحماس. ما أرغب به حقاً، هو أن تبقى الأشياء التي تفضّلينها جميلة في نظركِ، وقادرة على أن تبعث السلام في نفسكِ، والدفء في قلبك. قادرة على أن تجعل عينيكِ تتوهّج حين تشاهدينها وتقع بين يديكِ. هذا كل ما أرغب به، ليس لأنكِ تعني لي الكثير وحسب، ليس لهذا السبب وحده، بل لأنكِ فعلاً تستحقين ذلك، لأنكِ جديرة بهذه الطمأنينة. أعرف أنني يائس بما فيه الكفاية لعجزي عن مساعدتكِ في هذا الشأن، ولكن حاولي بكل ما لديكِ من قوّة أن تكوني كذلك، وأن تُبقي على روحكِ خفيفة، أن تبحثي عما يغمرها بالبهجة والسرور.
لا أقول لكِ أن تفعلي هذا بغض النظر عن تعاسة العالم وسطوتها، بل العكس تماماً، بفتح الأعين عليها ومراقبتها كشيء بالغ الخطورة، عليكِ أن تحذريه دائماً.
تستطيعين أن تشعري بالحزن الشجيّ في بعض الأحيان، ذلك الذي يُهدّئ النفس دون أن يدمّرها، ولكن إياكِ أن تصلي للحزن الكامد الشديد، لأنه ينقلب مع مرور الوقت إلى يأسٍ عميق لا يمكن للإنسان أن يتخلّص منه، أو يُحطّم قيوده متى صار خلفها. أعرف هذا من نفسي، أعرفه بتجربة، فهذا الإكتئاب الصامت الذي يختفي وراء سلوك هادئ كالوحش تماماً، يدكُّ النفس دكّاً ويجعلها خراباً، وفي النهاية يعمّر بها الإحباط والكآبة. وفي الكآبة تكمن جميع الشرور. إن التلف النفسي لا يبقى نفسيّاً، ولا بدّ أن يصبح عضويّاً في يوم من الأيام، وعندئذ لن تشعري بأن روحكِ ثقيلة وحسب، بل جسدكِ بكامله، ستشعرين بالكآبة تجري مع دمائك وتثقل أطرافكِ، وعندئذ سترفضين حتى مغادرة غرفتك، وتؤثرين البقاء فيها وحيدةً دائماً، وأنتِ بالطبع أكثر نبلاً وجمالاً من أن تعيشي مثل هذه الحياة البشعة والرديئة.

Nice
RépondreSupprimer