vendredi 27 septembre 2019

The Shower by Charles Bukowski


we like to shower afterwards 
(I like the water hotter than she)
and her face is always soft and peaceful
and she'll wash me first
spread the soap over my balls
lift the balls
squeeze them,
then wash the cock:
"hey, this thing is still hard!"
then get all the hair down there,-
the belly, the back, the neck, the legs,
I grin grin grin,
and then I wash her. . .
first the ****, I
stand behind her, my cock in the cheeks of her ****
I gently soap up the **** hairs,
wash there with a soothing motion,
I linger perhaps longer than necessary,
then I get the backs of the legs, the ****,
the back, the neck, I turn her, kiss her,
soap up the breasts, get them and the belly, the neck,
the fronts of the legs, the ankles, the feet,
and then the ****, once more, for luck. . .
another kiss, and she gets out first,
toweling, sometimes singing while I stay in
turn the water on hotter
feeling the good times of love's miracle
I then get out. . .
it is usually mid-afternoon and quiet,
and getting dressed we talk about what else
there might be to do,
but being together solves most of it
for as long as those things stay solved
in the history of women and
man, it's different for each-
for me, it's splendid enough to remember
past the memories of pain and defeat and unhappiness:
when you take it away
do it slowly and easily
make it as if I were dying in my sleep instead of in
my life, amen.

حلم جميل Sweet Dream




حلمتُ بكِ في الليلة الماضية. الحلم نفسه يتكرّر في نومي منذ فترة طويلة. هناك قطعة من ثيابكِ احتفظتُ بها عندي، دون أن تعرفي ذلك. إنه الحزام الذي كنتِ تشدّين به روب الحمام الرماديّ الخفيف على خصركِ. لقد سحبته من مكانه في ذلك الروب، ووضعته في خزانتي بين ملابسي قبل ذهابكِ. في الحلم أنهض من سريري، وأمضي باتجاه خزانتي، أقصد ذلك الحزام، كما لو أنه الطريق الأخير الذي سيرشدني إليكِ من جديد. أفتح بابها فأجدها فوضوية كالعادة، وغير مرتّبة، لكني أرى طرف الحزام الخاص بكِ ظاهراً بين كومة من قمصاني، فأُطبقُ عليه أصابعي لأسحبه من مكانه، أشدّه باتجاهي، ولكنني لا أعثر على طرفه الآخر أبداً، لا أذكر أنه كان طويلاً إلى هذه الدرجة. أسحبه بينما أمدّ ذراعي إلى الخلف، حتى تصبح خارج جسدي تماماً، ومع ذلك يبقى طرفه الآخر عالقاً في مكان ما، في العتمة بين ثيابي، فأرجع عدّة خطوات إلى الوراء، ويستمرّ تسلّل الحزام الهادئ، من فجوة ما في تلك الكومة القماشية. أُتابع خطواتي العكسية التي تكون ثابتة في البداية، ثم تفقد توازنها مع تسريعي لها، ألفّ الغرفة بكاملها على قدمي، ولكن النتيجة نفسها. أتابع سيري العكسي إلى الوراء. قطعة القماش تمتد إلى ما لا نهاية، أخرج من باب الشقّة، أهبط درجات السلّم بنفس الطريقة، أتعثّر عند بعضها، فأنهضُ وأُتابع المشي، أخرج من البناء، أصل إلى الطريق الرئيسي للسيّارات، ضوء الإشارة المرورية أخضر، يرتبك السائقون لدى رؤيتي، ويوقفون مركباتهم باضطراب مع ظهوري الفجائي أمامهم، تصطدم المركبات ببعضها، أسقط في مكان ما عند حافة الطريق، فأعجز عن الوقوف على قدميّ، أستغرب، ثم أتذكّر.. إنه المكان الذي وقفنا فيه ذات مرّة معاً، بعد منتصف الليل، في إحدى الليالي الباردة لوقت طويل، كان البرد قاسياً جداً عليكِ، ولكنكِ كنتِ سعيدةً مع ذلك، كنتِ ثملةً بعض الشيء، و كنتِ تعبّرين عن استيائك من الطقس بعبارات خاطفة ومضحكة، كنتِ تحاولين أن تقاومي البرد بحركات سريعة وخفيفة، فتمسكين بيدي، ترفعين أكتافكِ إلى الأعلى، ليغرق وجهك الطلق الجميل بينهما، حتى تلتصق ذقنكِ المستديرة نصف استدارة بصدرك، هذا الشكل الذي يحكي كثيراً كم أنتِ عاطفية وتحاولين البقاء متفائلة دوماً. هناك في ذلك المكان، كنتِ تجزّين على أسنانكِ وتعضّين على شفتيكِ غيظاً من البرد، تضغطين بذراعيك على جذعكِ، وأخيراً، تُطبقين كفّيكِ بشدة على أصابعي، تحكمين على يدي، وتفركين يديك بسرعة وهما تحيطان بيدي. أُحاول النهوض من جديد، وأعجز مرّة أُخرى، أُمسك الحزام، أضعه في فمي ضاغطاً عليه بأسناني، و هكذا يصبح سيري زحفاً عكسياً على يدي وكعبيّ، المركبات لا تزال في مكانها، الناس تنظر باتجاهي، الفوضى تثار في كل مكان أمرّ فيه، امرأة أربعينية تتجّه بخطى ثابنة نحوي، تنحني فوقي، تربّت على كتفي، و برقّة تسألني: ما الشيء الذي أنا متشبّث به، إلى هذه الدرجة بيدي وأسناني، الشيء الذي يعجز الآخرون عن رؤيته. أدفعها عني وأخبرها بأن تغرب عن وجهي، أقف على قدميّ، و أُتابع طريقي على غير هدي، أمرّ بشوارع جديدة وأجدني في مناطق بعيدة، ثم أخرج منها، و أخرج من المدينة، أمرّ بكل أزقّة هذا العالم تقريباً، باحثاً عنكِ، وأعود لغرفتي وحيداً مضّطرباً حزيناً يائساً، معذّب النفس والدماء من أثر الجروح، تسيل فوق كفّي و قدميّ، ولا أجدكِ.

كن أنت be yourself


كل ما كنتُ أسعى إليه، هو أن أكون نفسي وحسب..أن أكون نفسي على كل حال، لأنني رفضتُ دائماً العيش وفقاً لأهواء الآخرين، وأفكارهم، ورغباتهم، وتوقّعاتهم. رفضتُ دائماً الإنتماء لما كان يجمعهم. ليس تعالياً، ولكنني ببساطة كنت سريع النفور من كل شيء أبدو فيه شخصاً آخر...شخصاً لا يُشبهني.

إن الهدف الذي كنتُ أضعه نصب عينيّ كل يوم، ثم أمضي باتجاهه باذلاً كل جهدي لتحقيقه، هو أن أكون ما أنا عليه في الحقيقة تحت أي ظرف ومع أي كان، ودون الإكتراث للأحكام الغبية، والإتهامات الباطلة لي بالتجبّر والتعالي، ورويداً رويداً صرت أتقبّل هذه الإتهامات بهدوء وأضحك منها، فالناس لا يحتاجون ليعتبروك عدوّهم، أكثر من أن يخالف سلوكك وكلامك توقّعاتهم، أكثر من أن تكون على حقيقتك، من أن تراهم على حقيقتهم، وخاصة في عالم يسوده الزيف والإبتذال.

 أما هدفي الأصيل، فقد كان تحقيقه رهيباً وشاقّاً، لأن مثل هذه الغاية تكلّف الإنسان الكثير في طريقه إليها. إنها تكلّفه كل شيء تقريباً، إلا أنني كنت دائم الإصرار على بلوغها مع ذلك، لأن كلّ شيء آخر كان شديد التفاهة أمام هذه الغاية، غاية أن أكون نفسي على أية حال. صحيح أنني عشت صراعاً طويل الأمد في كفاحي، وأنني جربت كل أشكال الخذلان، وتعرّضت دائماً لتنمّر الأغبياء وانتقادهم في طريقي، صحيح أنني صرت وحيداً بكل معنى الكلمة وبإرادتي، ولكن المهم أنني بلغت غايتي الأسمى في النهاية. السؤال الذي عجزتُ باستمرار عن الإجابة عليه: لماذا كان هذا الأمر يزعج الآخرين بصورة دائمة؟.

The Crunch by Charles Bukowski


too much

too little

too fat
too thin
or nobody.

laughter or
tears

haters
lovers

strangers with faces like
the backs of
thumb tacks

armies running through
streets of blood
waving winebottles
bayoneting and fucking
virgins.

or an old guy in a cheap room
with a photograph of M. Monroe.

there is a loneliness in this world so great
that you can see it in the slow movement of
the hands of a clock.

people so tired
mutilated
either by love or no love.

people just are not good to each other
one on one.

the rich are not good to the rich
the poor are not good to the poor.

we are afraid.

our educational system tells us
that we can all be
big-ass winners.

it hasn't told us
about the gutters
or the suicides.
                                                                                                     
or the terror of one person
aching in one place                                            
alone

untouched
unspoken to

watering a plant.

people are not good to each other.
people are not good to each other.
people are not good to each other.

I suppose they never will be.
I don't ask them to be.

but sometimes I think about
it.

the beads will swing
the clouds will cloud
and the killer will behead the child
like taking a bite out of an ice cream cone.

too much
too little

too fat
too thin
or nobody

more haters than lovers.

people are not good to each other.
perhaps if they were
our deaths would not be so sad.

meanwhile I look at young girls
stems
flowers of chance.

there must be a way.

surely there must be a way we have not yet
thought of.

who put this brain inside of me?

it cries
it demands
it says that there is a chance.

it will not say
"no."

نشأة قذرة



يولد الإنسان ضعيفاً باكياً، يولد بجلد رقيق، ويدين صغيرتين، وجمجمة هشّة يغطيها القليل من الشعر الناعم والجلد. يقضي الشهور الأولى من حياته، ثابتاً في مكانه، مُستلقياً على ظهره، ومُكتفياً بتحريك أطرافه، ومصّ أصابعه الغضّة، واللعب في وجهه، وصدر أمه وخدشهما في بعض الأماكن. تنقضي بضعة أشهر، ويتعلّم هذا الكائن الصغير الحبو، فتصبح خزانة الأحذية عندئذ هدفه الأول والأخير، وغايته الأسمى، في كلّ مرّة يحبو فيها. 

يمضي إليها، ويجلس بجانبها، ثم يبدأ بحمل الأحذية الثقيلة بالنسبة لحجم جسده ويستعين في ذلك بقبضتيه الصغيرتين. يلوّح بالأحذية في الهواء بحركة سريعة، ودون انتظام أحياناً، وأحياناً يجرّها ببطء وثبات، في المساحة الصغيرة أمامه على الأرض، ليرسم بها، خطوطاً لا يراها، ولا يفهمها أحد سواه. في بعض الأيام،، يكتفي ذلك الكائن الغامض الجميل بحمل الحذاء، وضمه لصدره، وحتى معانقته وتقبيله بطريقة مضحكة. 

عندما تقوى عظامه، وتساعده على الوقوف والمشي، يشرع في محاولاته، المحكوم عليها بالفشل، بارتداء الأحذية، فيسقط بعد خطوات قليلة، ويجرّب ذلك مرّات عديدة، ويسقط مرّات كثيرة، ولكنه لا يتعب، ولا يمل، كما لو أن أمر الأحذية بالنسبة له أمتع ما في الدنيا. تمرّ الأيام، ويكبر الكائن الصغير، ليغدو بالغاً عاقلاً، فتصبح تلك الصور والتجارب قي ممرّات بيته وعلى عتباته، مجرّد ذكريات قديمة، ومرحلة من الماضي، لا يذكرها أصلاً، ولا يفهم سبب انجذابه للأحذية وتعلّقه بها حينها، غير أن هناك من يحافظ على هذه العادة، وتتحول عنده إلى غريزة، فيدافع عنها بشراسة،ويسعى لإشباعها حتى بعد كبره، فتجده يمضي مسرعاًَ باتجاه الأحذية البشربة كلما رآها، ويقع في حبّها مباشرةً.

ألم و ملل Pain and boredom



إنني أُشفقُ على جسدي من الطريقة التي يعمل بها دماغي، فحتى عندما يغرق جسدي في النوم، أو بالأحرى ، يطفو عليه، لأن الغرق مبالغ فيه في حالتي الخاصة، ولكن حتى عندما يحدث ذلك، لا ينام دماغي على الإطلاق، أدركتُ ذلك منذ فقداني لترف الشعور بالخيبة بعد حلم عابرٍ وعذب خفيف، وكذلك ترف الشعور بالأمان بعد الكوابيس الثقيلة والمرعبة. لا أعرف كيف أُفسّر هذه الحالة على الرغم من شدة وضوحها، ولا يسعني تسميتها أو حتى تحديدها، ذلك أنني لم أسمع أو أقرأ عنها من قبل، كما فقدتُ رغبتي باستشارة أخصائي ما، فلماذا سأفعل ذلك؟ وكيف يُمكن لهذا الأخصائي أن يساعدني أو ينقذني؟ كيف يمكنني أن أشرح له؟ أن أجعله يفهم؟ أن أقول له: أنني وحتى عندما أكون نائماً تماماً، أعرف أن ما أشاهده في نومي من أحداث مُبهجة أو شنيعة، أعرف أن تلك الأحداث مجرّد كوابيس أو أحلام، أقصد أنني أعرف ذلك حتى وأنا نائم تماماً، ولذلك حين أنهض من كابوس ما، لا أكون مذعوراً بالمرّة، بل فقط أشعر بضيق في التنفّس، يتلاشى بشهيق واحد أحياناً، أما حين أصحو من الأحلام المبهجة فلا أشعر بخيبة أو أي شيء آخر على الإطلاق، وحين أصحو ولو كان ذلك بعد نومي الذي ومنذ سنوات لا يتجاوز ثلاثة ساعات في حدّه الأقصى، أو مثلاً بعد ربع ساعة من النوم، فإنه من المستحيل أن أتمكّن من العودة للنوم مرّةً أُخرى في الليلة نفسها، فغالباً ما أرقبُ بعد سهر طويل، شروق وغروب يوم جديد مع مرور نهاره و هبوط ظلامه، و انقضاء ليله وتلاشيه ببزوغ فجر يوم آخر وهكذا دواليك حتى انتهاء فترات اليوم الجديد مرّة أُخرى، دون أن أنام. كنتُ أذهب لعملي في السابعة صباحاً، وأبقى هناك حتى الخامسة عصراً، ثم أرجع لمنزلي لأقضي الليل بطوله -برغم قواي المهدودة- دون رقود، وأعود لعملي في اليوم التالي. وكان يصاحب هذه العادة شعور غريب بأنني أعود لمكان العمل الذي غادرته للتوّ، فأُصابُ بالإحباط الشديد.
بالطبع جرّبت بعض أنواع الحبوب المنوّمة ومضادات الإكتئاب، ولكنها لم تساعدني بالمرّة، وليس ذلك بسبب اعتياد جهازي العصبي على المُهدّئات، فأنا لا أُعاني أي نوع من أنواع الإدمان،باستثناء التفكير، ولا أتعاطى أي نوع من أنواع المُخدّرات، باستثناء التدخين، ولكن المدخّنين أيضاً ينامون، كما أن الأمر ذاته لازمني حتى عندما أقلعتُ عن التدخين، وواظبتُ على ممارسة الرياضة وألعاب القوّة لسنوات طويلة وبشكل مفرط كان يمتد إلى ثلاثة ساعات كل يوم، الشيء الذي ما زلت مستمراً في ممارسته حتى اليوم على نحو أقل.
أدركُ تماماً أنّ المشكلة ليست عضوية،وهذا ما أكده لي الطبيب الذي قمت بزيارته مكرهاً، ليقيني المسبق بأنني سأكون حالته المُربكة والمستعصية -كما وصفني طبيب سابق- بعد انهياري في الأشهر الماضية، وهذا أيضاً فشلت وصفته الطبيّة و نصائحه في مساعدتي.أدركُ تماماً أنّ السبب الكامن وراء كل هذه المعاناة، هو الطريقة التي أفكّر بها وحسب، ولذلك فلا أبالغ أبداً حين أعبّر عن شفقتي على جسدي من دماغي.
هناك عادات اكتسبتها من جرّاء سهري في الليالي الطويلة: أحاولُ أحيانا عندما أكون منهكاً تماماً أن أتحسّس نبضي، فأضغط بيدي على صدري فوق منطقة القلب، وكل ما أصل إليه مجرد نبض خافت وخجول، أما النبض القوي والواضح الدقيق، فذلك ما أتحسّسه حين أضغط باليد نفسها على صدغي أو جبهتي. إنني أشعر بهيجان دماغي وتخبّطه بداخل رأسي، كما لو أنه خنزير مذبوح في الدقائق الأخيرة من حياته، يأخذ يضرب بحوافره القويّة عظام جمجمتي، إنّه يفكّر بعشرات الأشياء ويتخيّل آلافها في نفس الوقت وبسرعة هائلة، تجعلني أبدو كما لو أنني مقيّد إليه من معصميّ، كما لو أنّه كتيبة من الجنود القساة تجرّني خلفها بلا رحمة، فلا يسعني إلا البقاء زاحفاً على الأرض وراءها، مُستجدياً شفقتها. إنّه يصل بي أحياناً إلى درجات عالية من التركيز، بحيث يمكنني الشعور بجريان الدماء السّريع تحت جلدي في شراييني، وغليانها في أطرافي. لا أفهم الغباء الذي يجعل فئة من الناس تعتقد أن التفكير مجرّد شيء موجود يُمكن الإقبال عليه أو الإعراض عنه، ولا أفهم كيف يستطيع الناس أن يطالبوا من هم في مثل حالتي بالتوقّف عن التفكير ببساطة، ولكنّني متأكّد أن لا أحد يجرؤ على التفوّه بمثل هذه التفاهة، إلا شخص لم يفكّر لدقيقتين متتاليتين طوال حياته. إن الحلم الوحيد الذي مازلتُ محتفظاً به بعد فناء جميع أحلامي، و رؤيتي لجميع كوابيسي، هو أن يأتي يوم أمتلك فيه الأنانية الكافية لوضع رصاصة في رأسي.

سفر بدون وجهة و لا مذاق




حين كنت صغيراً، رأيت في أفلام الأطفال التي كنت أشاهدها حينذاك، ووجدت في الكتب التي قرأتها أن السفر شيء رائع حقاً. غون ودّع خالته، سامبي ودّع أخته، الكابتن ماجد ودّع أمه، الكابتن رابح ودّع عمّته، وبطل موراكامي، كافكا تامورا، احتضنته الآنسة ساييكي وأوشيما بعد فراره من منزل أبيه. كانوا يقفون ببوابات القطارات وهي تقلع على مهلٍ، أو على ظهور السفن وهي تبحر من الموانئ، يلوّحون بأيديهم لأفراد عائلاتهم وأصدقائهم، وهم في طريقهم نحو البلاد الغريبة. عقب وصولهم كانوا يلتقون بأناس طيّبين، يتناولون أطعمة شهية، يمرّون بقرى صغيرة ودافئة، يزورون أماكن جميلة، يعملون بنشاط، يمارسون هواياتهم، يقرؤون الكتب، يخوضون الصعاب، ينعمون بالسعادة، يجمعون خبرات جديدة، ويصنعون ذكريات طيبة، ثم يعودون ويقصّون تجاربهم على أحبائهم. منذ تلك الأيام تكوّنت لديّ الرغبة بالسفر، وبالفعل بلغت ذروتها في الثامنة عشرة من عمري. ما أن أنهيتُ دراستي الثانوية فكّرتُ: البلد صغير جداً على أحلامي الكبيرة، والتعليم هنا سيئ ورديء، الجامعات لن تفيدني في شيء إلا إذا خضت فروعها العلمية، ولكن هذا ليس عالمي، فقد كانت ومازالت ميولي محصورة في مجال الفنون، ميول أدبيّة بحتة، قلتُ لنفسي: ما سأتعلّمه في الجامعة، أستطيع تعلّم أفضل منه بجهدٍ شخصي وهذا ما فعتله فعلاً وتعبتُ في تحصيله لسنين طويلة. بعد أيام من بلوغي الثامنة عشرة، تمرّدت على جميع أفراد عائلتي، وقراراتهم بشأن ما يجب عليّ فعله، ذهبتُ لدائرة الهجرة والجوازات وقمت باستصدار جواز سفر بعد أن جمعت الوثائق الضرورية للمعاملة، وسافرت بعد ذلك بعدة أشهر. مضيتُ أنا، وأخي وأمي بسيارة حتى وصلنا المحطّة التي تنطلق منها الحافلات نحو المدن الأخرى، جلسنا في مقهى صغير، تناولنا وجبات خفيفة وأتبعناها ببعض القهوة والسجائر، صعدتُ إلى الحافلة في الموعد المحدد بعد وداعهم، ولوّحت لهما بمودّة بيدي هذه من النافذة. ثم اتجهت إلى المطار وحيداً. كان الجوّ شتوياً، أواخر شباط، تتحرّك السحب ببطء، ويسترسل شعاع القمر، نافذاً من بين قطع الغيوم، يلقي بظلاله فوق العالم، ويمسح بنوره الأرض المُبلّلة، والأشجار، والشاطئ، والحافلات، ووجوه المسافرين، وواجهات مكاتب الحجز، والأبنية القريبة، والذرى البعيدة. كانت تمطر بهدوء واضح كما لو أن المطر يرشح من مجرى قريب، ضيّق وصغير، وليس من السماء الواسعة والبعيدة. رأيتُ حبّات المطر تتساقط لتستقرّ على جبين أمي، ثم تتدحرج برقّة فوق وجهها الرقيق لتمتزج في النهاية بدموعها، كان أخي الكبير يحيطها بذراعه، ويربّت على كتفها، تميل عليه بهدوء وتنظر إلي بحسرة. لقد مضت عشرة أعوام على هذه الذكرى، وشقّيتُ طريقي بنزاهة في البلاد الجديدة، كنت صادقاً، عملتُ بجدّ وإخلاص، قدّمتُ ما بوسعي، وكنتُ وحيداً دائماً في رحلتي هذه، دائماً. ارتكبت بعض الأخطاء المفهومة، وتمّ خداعي في بعض الأحيان، وقعت ببعض المآزق وتعلّمتُ منها، ثم تجاوزتها بمفردي. خذلني أقرب الناس، ومزّقت الخيبات قلبي، توالت وكثرت، وتركت فيّ جرحاً نابضاً. مرّت أعوام صعبة وطويلة، ولكنني لم أختبر شيئاً من الأشياء التي حدثت مع كافكا وغون ورابح وسامبي وماجد، ولم أشعر بشيء مما أحسّوا به من طمأنينة وأمان. لم ترَ عيني ما رأوه من جمال ووداعة، لم أرَ غير القسوة والنكران، ولم يغمرني شعور غير الوحشة، وفشلت دائماً في سحق شعوري بالإغتراب والوحدة. لا أعرف لماذا كان الأمر بشعاً ومعقداً إلى هذه الدرجة.

شعور الغربة


لقد كثرت الليالي التي لا أنام فيها على نحو بات يُعيق توازن الوظائف الحيويّة الجسمانية في جسدي. صرتُ شديد الحساسية تجاه كل شيء، وصار كل شيء يثير غضبي بشكل جنوني، وحتى المُزاح الذي يفتعله الغرباء لإزالة الحواجز بينهم، حين أكون طرفاً في ذلك المُزاح.

 لم أكن في يوم من الأيام بمكانٍ أقرب إلى الإنهيار العقلي من المكان الذي أنا فيه الآن.
 إنني حين أكون في الخارج أبذل جهداً هائلاً حتى أبقى مألوفاً بالنسبة للناس، حتى لا أبدو مجنوناً أو غريب الأطوار، إنني أبذل جهداً هائلاً لقمع مشاعري كي لا أُشرع فجأةً بالحديث مع نفسي، بصوتٍ عال، حين تتزاحم الأفكار والمخاوف في رأسي، عندما أكون وسط مجموعة من الناس مثلاً، أو على متن القطار. 

إنني أخافُ التواجد في الأماكن التي يحتّم علي وجودي فيها التصرّف بلباقة زائفة ومبالغ في إظهارها، أخافُ أن تصدر عني حركة جسدية اعتدتُ أن أُعبّر فيها عن غضبي ونفاذ صبري، عندما أكون وحيداً في غرفتي. أخافُ أن أبدأ بالصراخ في وجوه الجميع مُعلناً عدم انتمائي لهم، لأفكارهم وأماكنهم ، ومُشدّداً على براءتي من كل ما ينتشر بين البشر من كذب وتفاهة ولؤم وخداع. أخافُ أن أطالب الجميع وبملء صوتي بالتوقّف عن تكلّفهم الحقير، عن الإدعاء والكذب والكلام، أخاف دائماً وأنا بين الناس أن أنفجر فجأةً بالبكاء.

رجل بائس

غداً أدخل عامي الثامن والعشرين
والحقيقة الوحيدة التي أعرفها عني
حقيقة سوداء، لعينة، ومؤكّدة
أنا لا أصلح لشيء في هذا العالم
لا أستطيع التواجد مع الناس
ولا أن أكون جزءاً منهم
فشلتُ دائماً في أن أكون فعّالاً
كان حظي سيئاً منذ أعوامي الأولى
ولكنني لم أسمح له بهزيمتي
فبحثت طويلاً عما أريد
     ولكنني لم أجد نفسي أبداً
مضيعة للوقت،خسارات، وخيبات
هذا كل شيء، كل شيء بلا استثناء
كان الملل رفيقي في كل طريق
لم أحصل على الحبّ أبداً
لم ألمس الحنان في أي إنسان
لم أرَ شيئاً غير القسوة والخذلان
عجز الجميع عن فهمي
فكرهت الجميع، وصرت حقوداً
وكنت غاضباً دائماً
كنت أذهب إلى المدرسة
ولكن ليس برغبة منّي
كنت أذهب لأنه كان عليّ ذلك
كرهت المناهج الغبيّة
ورفضها عقلي دائماً
كرهت أساليب التعليم
والتعامل مع التلاميذ كالقطيع
هناك كانوا يريدون مني
فعل ما يملونه علي وحسب
وكنت أميل إلى الخلق والإبداع
يمزّقني الحنين دائماً إلى تلك الأيام
ولكنني في ذلك الوقت
لم أكن أطيقها
لم أكن طالباً خلوقاً أو بارعاً
إلا في المواد التي كنت أحبّها
العربي والفلسفة
التاريخ واللغات
ولكنني كنت أحصل على علامات
تسمح لي بالعبور من مرحلة لأخرى
ولأنه لم يقف أحد بجانبي
فكان عليّ أن أتدبّر
جميع أموري بمفردي
أن أؤمن قوت يومي
فلم يكن بوسعي العيش كباقي الأطفال
كان عليّ أن أكون رجلاً منذ طفولتي
كان عليّ أن أكون قويّاً وصلباً
ولكي أعيش
مارست كثيراً من الأعمال
كان الأطفال الآخرون يعودون
من مدارسهم إلى منازلهم
يعودون فرحين وصاخبين
وكنت أعود من مدرستي لعملي الشاق
أعود تعيساً ومغموماً
وددت دائماً أن أجد نفسي
أن أعرف ما أريد
فعملت في كل شيء تقريباً
إلى جانب دراستي وفي العطل الصيفية
وتعلّمت شيئاً ضئيلاً من كل شيء
لم أبقَ في أي مكان لوقت طويل
كان الملل يبعدني دائماً
عملتُ في المتاجر
وكنت أحمل البضائع الثقيلة
أرتّبها على الرفوف
وأوصل الطلبات إلى المنازل
عملت في الحلاقة
كنت أحضّر الشاي للزبائن
وأكنس الشعر في البداية
تعلّمت حلاقة الذقن
وقبل أن يسلّمني أحدهم رأسه
تركت المهنة والمكان
إنه الملل مرّة أخرى
صديقي الوحيد
سمعتُ أن العاملين في البناء
يحصلون على أجور مضاعفة
وكنت بحاجة إلى المال
فعملت مع الرجال القساة
عملت في معامل الحجر الصناعي
وفي العمارات الجديدة
مع المبلّطين والنجّارين
مع الحجّارين والحدّادين
استغربوا ثم ضحكوا وتندّروا
حين تقدّمت للوظيفة
ولكنهم قبلوا في النهاية
ربما شفقة، وربما حاجة
أرسلوني إلى الطوابق السفلية
قالوا لي: اقتلع المسامير الصدئة
من الخشب القديم
كانت أكياس الإسمنت أثقل مني
والألواح عملاقة بالنسبة لقامتي
أحمل الأكياس إلى الطوابق العلوية
أعدّ خلطة الإسمنت
مع الحصى والماء والرمال
وأقرّبها من أماكن العمّال
في الليل كانت يداي ترتجفان
وفي النهار تتمزّقان من الجفاف
في أيام العطلة أمارس ما أهواه
رياضة الحديد، كرة القدم، والسباحة
وفي المدرسة أخفي آلامي
وبابتذال وسخافة
أزدهي بعضلات جسدي البارزة
من جراء إجهادها في العمل
خلال مكاسرة الأيدي مع الصبيان
وحين صار الرجال يعتمدون عليّ
حاولوا إقناعي بترك المدرسة
فرفضت ذلك وتركت الناس والمكان
عملت في متجر الكتب والأفلام
في صيانة أجهزة الكومبيوتر
والهواتف المحمولة
في ميكانيك السيارات
وتغيير الإطارات
في متاجر الألبسة
وفي البارات
وفي بيع التبغ المهرّب
أمام الملاعب وعلى الطرقات
وهكذا حتى نهاية المرحلة الثانوية
تقدّمت للإمتحانات وأنا أعمل كمرافق
للحافلات التي تنقل الناس
بين مدن البلاد
نجحت بعلامات متواضعة
ولكن بأعجوبة
حقد عليّ الطلّاب المجتهدون من الراسبين
وسخرت من سذاجتهم وغبائهم
كانوا يذهبون للمدارس والمعاهد
ويأتون بالأساتذة إلى منازلهم
وكنت بالكاد أفتح الكتاب
حملت شهادتي وجاء موعد سفري
ودّعت الأصدقاء والأعداء
ومضيت نحو البلاد الجديدة
عملت كمراقب للعمّال
وبعد ذلك تعلمت الإنكليزية فوراً
فعملت في المكاتب والإدارة
وحصلت على وظيفة
أرقى مما مارسته في السابق
وأصابني الملل مجدداّ
فمضيت مرة أخرى
إلى بلاد بعيدة
جئت إلى أوروبا
تعلّمت اللغة الجديدة
وأنا أعمل في المستودعات
وبعد ذلك عملت في الترجمة
ثم انتقلت إلى جريدة
عملت في الصحافة
ومنذ الأسبوع الأول
نشرت النصوص والمقالات
ولضيق مزاجي تركت المكان
وددت دائماً أن أكون حرّاً
لأنني كرهتُ الإلتزام
ولكن ذلك كان مستحيلاً
فعدت للعمل مع الرجال القساة
وبدأت وظيفة في الأمن الخاص
عملت مع الجميع
ولكنني كنت وحيداً دائماً
وحيد وغريب
البعض كان طيّباً
والبعض كان قاسياً
والبعض كان نذلاً
وصدمني نجاحي
مع الجميع، وفي كل مجال
استغربت من ترحيب الناس
من اعتمادهم علي، وإيمانهم بي
من رغبتهم بأن أستمرّ معهم
رغم رغبتي الوحيدة والدائمة بالإنعزال
غداً أدخل عامي الثامن والعشرين
ولكنني لم أجد نفسي أبداً
لم أجد نفسي حتى الآن
وما زلت عاجزاً عن معرفة ما أريد
عن إيجاد معنى لأي شيء
في هذا العالم، في هذه الحياة
مضيعة للوقت، خسارات، وخيبات
لا جدوى، لا معنى
لا امرأة، ولا صديق
لا هدف، ولا انتماء
إنه الملل، صديقي الوحيد
إنه الإخفاق مرّة أخرى
سراب في سراب
خواء في خواء
عالمي الخاص وحده
ما كان يهوّن علي
وحده ما كان ينقذني
طوال مسيرتي الشقيّة هذه
مكتبتي الصغيرة، ومجموعة الأفلام
فكنت أقرأ الكتب دائماً
وأستمع إلى الموسيقى
كان هذا ملاذي الوحيد
ملاذي الآمن والأخير دائماً
لم تكن الكتابة حلماً عابراً
لم تكن شغفاً ساذجاً ومؤقتاً
كانت انفجاراً محتّماً
وكان عظيماً.

Bluebird By Charles Bukowski


there’s a bluebird in my heart that
wants to get out
but I’m too tough for him,
I say, stay in there, I’m not going
to let anybody see
you.
there’s a bluebird in my heart that
wants to get out
but I pour whiskey on him and inhale
cigarette smoke
and the whores and the bartenders
and the grocery clerks
never know that
he’s
in there.
there’s a bluebird in my heart that
wants to get out
but I’m too tough for him,
I say,
stay down, do you want to mess
me up?
you want to screw up the
works?
you want to blow my book sales in
Europe?
there’s a bluebird in my heart that
wants to get out
but I’m too clever, I only let him out
at night sometimes
when everybody’s asleep.
I say, I know that you’re there,
so don’t be
sad.
then I put him back,
but he’s singing a little
in there, I haven’t quite let him
die
and we sleep together like
that
with our
secret pact
and it’s nice enough to
make a man
weep, but I don’t
weep, do
you?

❤عشق أجنبي ❤





أثناء تعلّمي لإحدى اللغات الأجنبية، نشأت صداقة بيني وبين فتاة روسية كانت معي في نفس المسار الدراسي.
مرّة، في فترة الإستراحة، دار بيننا حديث عن الطعام، وأهم ما يميز المطبخ العربي والمطبخ الروسي. وحين انتهى النقاش الذي أصابني بالملل ولم أشاركها به إلا خجلاً، عوّضتني عما شعرت به من ضيق خلال الحديث بسؤالها المفاجئ:
_ أتعرف؟ هناك اعتقاد شائع في روسيا، مفاده أنّ الرجل الذي لا يُجيد الطبخ، هو حتماً غير قادر على إرضاء زوجته في السرير .
_بقيت حينها صامتاً، فلم أجب بكلمة واحدة، واكتفيت بهزّ رأسي. وأنا أرمقها بنظرة هادئة، ولكن مخادعة، وكنت أقول في نفسي: لا بأس، اسخري مني الآن. قولي في سرّك أنني غبي وأبله، أنني بارد، أنني لم أفهمكِ. فلن يدوم هذا طويلاً على كل حال
بعد انتهاء ساعات الدوام في ذلك اليوم، رجعتُ لغرفتي مسرعاً، وقمتُ بتحضير إحدى الوجبات العربيّة. فعلت كل ما بوسعي لأجعلها تبدو شهيّة ولائقة، ثم وزّعتها على عدّة أطباق مسطّحة بعد تنظيفها بشكل خرافي. نقلت الأطباق إلى الطاولة وهيّأت لها كادر تصوير هوليودي، حتى نيكول كيدمان تشتهي أن يعدّ لها الفنّيون مثله في أفلامها لتقف فيه خلال مشاهدها.
وجّهت على الحيّز المراد تصويره الإضاءة المناسبة، مصباح المطبخ، أشعة الشمس، أحضرت حتى مصباح المكتب من الغرفة للمطبخ، ووضعته في زاوية خارج الكادر، كما استخدمت ما وجدته عندي من أوراق ألومنيوم كألواح عاكسة، وفي النهاية أشعلت بعض الشموع، ووضعتها هنا وهناك لإضافة شيء من الجمال والحياة على المشهد العادي والبارد. شيء يريح العين ويدفّئ القلب.
التقطت صوراً كثيرة للأطباق حتى حصلتُ على صورة أجمل بكثير من التي رسمتها في خيالي، في اللحظة التي أخبرتني بها عن الإعتقاد الشائع في روسيا، الإعتقاد الذي بقيت للحظات ممتناً له أكثر من جميع الكتب التي قرأتها لدوستويفسكي، كيف لا وقد ساعدني هذا الإعتقاد الساذج والبسيط على أن أعبر للفتاة عن رغبتي الجامحة بها وبكل ما فيها، دون كلمة واحدة.
فرغت من تصوير الوجبة التي لم تعد صالحة للأكل أصلاً، وصارت بحاجة للتسخين، ثم أرسلت بعض الصور للفتاة الجميلة لدرجة قاتلة وسألتها:
_ما رأيك؟
_ضحكت ضحكة طويلة كادت أن تملأ الشاشة، وكتبت بعدها، ماذا تقصد؟
_ لا تسيئي فهمي يا ماريا، مجرد وجبة حضّرتها للتو، وشاركتك صورها بعد أن تذكرت حديثنا اليوم عن الطعام
_فقط؟
_طبعاً، ماذا تقصدين؟ لا أفهمك!
_حسناً، لا بأس. تبدو شهية فعلاً، استمتع!
أحبطني انتهاء المحادثة على هذا النحو، وفكرت بطريقة لاستمرارها، فاخترعت من أجلها اعتقاداً جديداً، وأقحمته سرّاً في ثقافة العرب والوعي الجمعي لأكثر من 300 مليون إنسان. كتبت لها:
_ماريا
_نعم؟
_هناك اعتقاد شائع في العالم العربي، مفاده أن الرجل الذي يتناول طعامه بمفرده دائماً، يموت مبكراً من الحزن والوحدة.
_واو، يبدو أقرب إلى المنطق من الإعتقاد الروسي.
_أعرف، بصراحة أنا أتناول الطعام بمفردي منذ سنين طويلة. ولذلك سأدعوكِ غداً لتناول الغداء معي في بيتي، بعد نهاية الدوام ، وهكذا أعلمك طريقة التحضير ، وأخبركِ عن المكونات الأساسية. موافقة؟
_ضحكت مرّة أخرى، وقالت: طبعاً موافقة، هل تراني مغفّلة؟
_غمر السرور قلبي، فكتبت لها: لقد قبلتِ دعوتي، من المستحيل أن تكوني كذلك، أنتِ عبقرية!
_اتفقنا
_ بالتأكيد، إلى اللقاء
_إلى اللقاء
تركت الهاتف من يدي، ورحت أتخيّل أحداث اليوم التالي الذي انتظرته دائماً طوال تلك الليلة، فشعرتُ بأن الوقت يمضي ببطء شديد، إلا أنني غرقت في نومي أخيراً.
في الصباح التالي، نهضت من نومي مع نفس الشعور المزعج ببطء مرور الوقت. أمسكت هاتفي المحمول وضحكت من اندفاعي. اتصلت بها، وقلت لها متردداً، خوفاً من الإحراج من احتمال أن يكون أحدنا قد أساء فهم الآخر، وفي كلامي نجحت بإخفاء نبرة التردد والشكّ في صوتي، حافظت على هدوئي المفتعل وثقتي، وقلت لها :
_اسمعيني جيداً، لقد نفذ صبري. لتذهب لغات العالم كلّه إلى الجحيم. اليوم لن نحضر الدروس، وسندرس لغتنا الخاصة وعلى طريقتنا الخاصة. أنتظرك عند الساعة التاسعة في بيتي.
_ جيد، لقد خطرت لي الفكرة نفسها.
_توقّعت، قلت لك أنك عبقرية!
_ أرسل لي عنوانك.
أرسلت لها العنوان، وانتظرتها من جديد بفارغ الصبر، وبالفعل جاءت قبل التاسعة بدقائق. استقبلتها كما ينبغي، ورحّبت بها ترحيب العرب بضيوفهم، وقمنا معاً بتحضير الوجبة وباحترافية عالية. وفي تحضيرها أخذنا كل التفاصيل الدقيقة بعين الإعتبار، ومنحنا كل شيء حقه، خطوة خطوة، حركة حركة، لمسة لمسة، قطعة ثياب قطعة ثياب، قبلة قبلة. استمتعنا بتناولها بشكل لا يصدّق، ولكن لسوء الحظ فقدت الوجبة أشهى طعم يميّزها بسبب افتقارها لآخر وأهم مكون من مكوناتها، وهذا لاضطرارنا في الثواني الأخيرة أن نرشّ الملح خارج قدر الطهي، حفاظاً على سمعة الفتاة الغذائية.





jeudi 26 septembre 2019

ألم الحب ! Love Pain

كنت أراكِ في الفترة الأخيرة تغرقين في حزنكِ أمامي، وكان ذلك يعذّبني. كنت أعرف أن هناك خطباً ما. كان يعزّ علي فقداني للقدرة على إنقاذك مما يجعلكِ تعانين بهذه الشدّة والمرارة. أنتِ لم تقولي شيئاً، وأنا لم أسأل. ليس إهمالاً منّي. ولكنك تعرفينني جيّداً، لست جيّداً بالمرّة في مواساة الآخرين، لست جيداً في أن أهوّن عليهم ما يعذّبني أنا نفسي.

 هذه التفاصيل الصغيرة التي تمرّ في حياة كلّ منا، الأشياء التي يعجز الكثيرون حتى عن ملاحظتها، ومنهم من يراها تافهة لا تستحق الوقوف عندها، بينما تذبحنا من الداخل، نحن الذين نرى ونفكّر ونشعر أكثر من اللازم، هذه النعمة أو ربما النقمة، لست أدري! هذه الميّزة التي جعلتنا في النهاية نقدّر الأشياء الصادقة مهما كانت بسيطة، وبالتالي تستطيع الأشياء الصغيرة أيضاً أن تزرع السمّ في قلوبنا لوقت طويل، تستطيع أن تدمّرنا حين تكون في غير مكانها، حين تكون جارحة في حقّنا. لم تقولي شيئاً، ولكنّني كنت أستطيع أن أرى بوضوح أنكِ لستِ على سجيّتك، أنّكِ لستِ على ما يرام. كنت ألاحظ ذلك في كلامكِ، نبرة صوتك، خطواتكِ الثقيلة، الطريقة التي تضحكين بها، ردّات فعلك، ضعف شهيّتكِ للطعام، ما تسمعينه من موسيقى، وما تشاهدينه من أفلام، الشعر الذي يتساقط لسوء حالتك النفسيّة، ويبقى ورائك على الوسادة حين تنهضين من نومك، وحتى في الكتب التي كنتِ تأخذينها من المكتبة وتقرأينها قبل النوم. الكتب التي لطالما عبّرتِ عن استغرابكِ من قدرتي على تحمّل قراءتها، وما تحمله من أفكار سوداوية ونظرة تشاؤمية للإنسان والعالم. وأخيراً كنت أرى تعبكِ وانطفاء قلبك في إهمالك للأشياء التي تعني الكثير لكل امرأة على هذه 
.الأرض

: أظافركِ، شعركِ، جسدكِ، بشرتكِ، الأحذية والملابس البسيطة التي كنتِ تختارينها حين نخرج معاً
كان يعذّبني اضطرابك المفاجئ هذا، ويزيد من اضطرابي. ومع ذلك رفضتُ دائماً أن أزيد من آلامكِ بإصراري على معرفة مشاكلك وما تفكّرين به، ولذلك بقيتُ إلى جانبكِ صامتاً وحسب، بقيتُ محاولاً أن أخفي تعاستي التي أيضاً تعلمين بسيطرتها الدائمة على نفسي. بقيتُ محاولاً أن أكون صلباً في وقوفي معكِ، وهيّناً عليكِ. دفنتُ آلامي جميعها في مكان خفيّ بداخلي، وحاولت دائماً أن أشارككِ الأشياء المبهجة وحسب. كنتُ أفعل كلّ ما بوسعي لتعرفي أنكِ تستطيعن الإعتماد علي والهروب إليّ متى أردتِ، لتعرفي أنني دائماً سأكون في صفّك. ما أكثر الأشياء التي وددت أن أخبركِ بها! كنت دائماً ما أحدّث بها نفسي، كنت أودّ أن أقول لكِ الكثير، ولكنني لم أجد فرصة تساعدني، لم أنجح في البوح بالأشياء بطريقة لا تبدو فيها كعزاء مبتذل وسخيف. بطريقة تبدو فيها أصيلة وصادقة وغير متكلّفة، حاولت قولها على نحو تبدو معه في كلامي، على الأقل قريبة من الصورة التي تبدو عليها بداخلي. تردّدتُ حتى هذه المرّة، ولكنني أشعر أنه عليّ أن أقول لكِ الآن كلّ شيء، كل شيء:
إن كلّ ما أستطيع أن أرغب به الآن، هو أن تكوني بخير دائماً. أن تحافظي على ثباتكِ وشغفكِ. من الثبات ما يكفي لتحمّل الأشياء التعيسة والمحتّمة في هذه الحياة بهدوء، ومن الشغف ما يكفي لانتظار اليوم التالي بشيء من الرضا والحماس. ما أرغب به حقاً، هو أن تبقى الأشياء التي تفضّلينها جميلة في نظركِ، وقادرة على أن تبعث السلام في نفسكِ، والدفء في قلبك. قادرة على أن تجعل عينيكِ تتوهّج حين تشاهدينها وتقع بين يديكِ. هذا كل ما أرغب به، ليس لأنكِ تعني لي الكثير وحسب، ليس لهذا السبب وحده، بل لأنكِ فعلاً تستحقين ذلك، لأنكِ جديرة بهذه الطمأنينة. أعرف أنني يائس بما فيه الكفاية لعجزي عن مساعدتكِ في هذا الشأن، ولكن حاولي بكل ما لديكِ من قوّة أن تكوني كذلك، وأن تُبقي على روحكِ خفيفة، أن تبحثي عما يغمرها بالبهجة والسرور.
لا أقول لكِ أن تفعلي هذا بغض النظر عن تعاسة العالم وسطوتها، بل العكس تماماً، بفتح الأعين عليها ومراقبتها كشيء بالغ الخطورة، عليكِ أن تحذريه دائماً.

تستطيعين أن تشعري بالحزن الشجيّ في بعض الأحيان، ذلك الذي يُهدّئ النفس دون أن يدمّرها، ولكن إياكِ أن تصلي للحزن الكامد الشديد، لأنه ينقلب مع مرور الوقت إلى يأسٍ عميق لا يمكن للإنسان أن يتخلّص منه، أو يُحطّم قيوده متى صار خلفها. أعرف هذا من نفسي، أعرفه بتجربة، فهذا الإكتئاب الصامت الذي يختفي وراء سلوك هادئ كالوحش تماماً، يدكُّ النفس دكّاً ويجعلها خراباً، وفي النهاية يعمّر بها الإحباط والكآبة. وفي الكآبة تكمن جميع الشرور. إن التلف النفسي لا يبقى نفسيّاً، ولا بدّ أن يصبح عضويّاً في يوم من الأيام، وعندئذ لن تشعري بأن روحكِ ثقيلة وحسب، بل جسدكِ بكامله، ستشعرين بالكآبة تجري مع دمائك وتثقل أطرافكِ، وعندئذ سترفضين حتى مغادرة غرفتك، وتؤثرين البقاء فيها وحيدةً دائماً، وأنتِ بالطبع أكثر نبلاً وجمالاً من أن تعيشي مثل هذه الحياة البشعة والرديئة.




في البحر الأسود ... !


جئت إلى هذا العالم، أعرف كيف، ولكن لا أعرف لماذا؟؟!! 






. أمضيتُ حياتي كلّها باحثاً عن غاية لوجودي، وكنت أشعر بأن هناك غاية ما، ولا بد أنها غاية تستحق العناء. لم أقتنع بالأسباب التي أخبرني بها الآخرون لوجودي، لم أقتنع بأفكارهم عن الحياة، الوجود وعلّته، نشأته وغايته، فبحثت بصدق ونزاهة خالصين، ولكنني فشلت، فشلت دائماً في العثور على تلك الغاية، في إيجاد معنى لهذه الحياة. غريب في عزلتي، وغريب بين الآخرين. إنني هنا على هذه الأرض منذ سبعة وعشرين عاماً، ولم أشعر يوماً بالسلام النفسي، أو الأمان. وقد كافحت في سبيل تحقيق الشعور بالإنتماء، وددت أن أكرّس نفسي، أن أهب قلبي، وفي كفاحي بذلت كل ما بوسعي، ولكن ذلك كان مستحيلاً دائماً، مع كل إنسان، وفي كل مكان، وكذلك خرجت من صراعي مع المشاعر والأفكار والناس، وكل ما عاشرت وعرفت من ثقافات، صفر اليدين، لا عائلة، لا صديق، لا امرأة تفهمني، ولا ملاذ. 

فتحت قلبي إلى آخر الحدود مع الآخرين، ولكنني، ولا أعرف كيف، بقيتُ كتوماً في نظر الناس. بقيتُ غامضاً، غير مفهوم، وغير مقبول، وبقيتُ دائماً في الفراغ وحيداً، في الفراغ الهدّام دائماً. جذعٌ منزوع من جذوره الضاربة في مكان مجهول، ومُلقى في مجهول أشد غرابة وسحقاً، هيكل سفينة مهجورة، شباك صيد قديمة وممزّقة، بئر مظلمة وعميقة، شبح. يسألني الغرباء: من أين أنت؟ من أين أتيت؟ يقصدون المكان، ولكن لا مكان، ولا انتماء. أقول: من رحم أمي، فيعتقدونني مازحاً أو متندّراً، ولكن هذه هي الحقيقة كاملة .