vendredi 27 septembre 2019

نشأة قذرة



يولد الإنسان ضعيفاً باكياً، يولد بجلد رقيق، ويدين صغيرتين، وجمجمة هشّة يغطيها القليل من الشعر الناعم والجلد. يقضي الشهور الأولى من حياته، ثابتاً في مكانه، مُستلقياً على ظهره، ومُكتفياً بتحريك أطرافه، ومصّ أصابعه الغضّة، واللعب في وجهه، وصدر أمه وخدشهما في بعض الأماكن. تنقضي بضعة أشهر، ويتعلّم هذا الكائن الصغير الحبو، فتصبح خزانة الأحذية عندئذ هدفه الأول والأخير، وغايته الأسمى، في كلّ مرّة يحبو فيها. 

يمضي إليها، ويجلس بجانبها، ثم يبدأ بحمل الأحذية الثقيلة بالنسبة لحجم جسده ويستعين في ذلك بقبضتيه الصغيرتين. يلوّح بالأحذية في الهواء بحركة سريعة، ودون انتظام أحياناً، وأحياناً يجرّها ببطء وثبات، في المساحة الصغيرة أمامه على الأرض، ليرسم بها، خطوطاً لا يراها، ولا يفهمها أحد سواه. في بعض الأيام،، يكتفي ذلك الكائن الغامض الجميل بحمل الحذاء، وضمه لصدره، وحتى معانقته وتقبيله بطريقة مضحكة. 

عندما تقوى عظامه، وتساعده على الوقوف والمشي، يشرع في محاولاته، المحكوم عليها بالفشل، بارتداء الأحذية، فيسقط بعد خطوات قليلة، ويجرّب ذلك مرّات عديدة، ويسقط مرّات كثيرة، ولكنه لا يتعب، ولا يمل، كما لو أن أمر الأحذية بالنسبة له أمتع ما في الدنيا. تمرّ الأيام، ويكبر الكائن الصغير، ليغدو بالغاً عاقلاً، فتصبح تلك الصور والتجارب قي ممرّات بيته وعلى عتباته، مجرّد ذكريات قديمة، ومرحلة من الماضي، لا يذكرها أصلاً، ولا يفهم سبب انجذابه للأحذية وتعلّقه بها حينها، غير أن هناك من يحافظ على هذه العادة، وتتحول عنده إلى غريزة، فيدافع عنها بشراسة،ويسعى لإشباعها حتى بعد كبره، فتجده يمضي مسرعاًَ باتجاه الأحذية البشربة كلما رآها، ويقع في حبّها مباشرةً.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire