vendredi 27 septembre 2019

رجل بائس

غداً أدخل عامي الثامن والعشرين
والحقيقة الوحيدة التي أعرفها عني
حقيقة سوداء، لعينة، ومؤكّدة
أنا لا أصلح لشيء في هذا العالم
لا أستطيع التواجد مع الناس
ولا أن أكون جزءاً منهم
فشلتُ دائماً في أن أكون فعّالاً
كان حظي سيئاً منذ أعوامي الأولى
ولكنني لم أسمح له بهزيمتي
فبحثت طويلاً عما أريد
     ولكنني لم أجد نفسي أبداً
مضيعة للوقت،خسارات، وخيبات
هذا كل شيء، كل شيء بلا استثناء
كان الملل رفيقي في كل طريق
لم أحصل على الحبّ أبداً
لم ألمس الحنان في أي إنسان
لم أرَ شيئاً غير القسوة والخذلان
عجز الجميع عن فهمي
فكرهت الجميع، وصرت حقوداً
وكنت غاضباً دائماً
كنت أذهب إلى المدرسة
ولكن ليس برغبة منّي
كنت أذهب لأنه كان عليّ ذلك
كرهت المناهج الغبيّة
ورفضها عقلي دائماً
كرهت أساليب التعليم
والتعامل مع التلاميذ كالقطيع
هناك كانوا يريدون مني
فعل ما يملونه علي وحسب
وكنت أميل إلى الخلق والإبداع
يمزّقني الحنين دائماً إلى تلك الأيام
ولكنني في ذلك الوقت
لم أكن أطيقها
لم أكن طالباً خلوقاً أو بارعاً
إلا في المواد التي كنت أحبّها
العربي والفلسفة
التاريخ واللغات
ولكنني كنت أحصل على علامات
تسمح لي بالعبور من مرحلة لأخرى
ولأنه لم يقف أحد بجانبي
فكان عليّ أن أتدبّر
جميع أموري بمفردي
أن أؤمن قوت يومي
فلم يكن بوسعي العيش كباقي الأطفال
كان عليّ أن أكون رجلاً منذ طفولتي
كان عليّ أن أكون قويّاً وصلباً
ولكي أعيش
مارست كثيراً من الأعمال
كان الأطفال الآخرون يعودون
من مدارسهم إلى منازلهم
يعودون فرحين وصاخبين
وكنت أعود من مدرستي لعملي الشاق
أعود تعيساً ومغموماً
وددت دائماً أن أجد نفسي
أن أعرف ما أريد
فعملت في كل شيء تقريباً
إلى جانب دراستي وفي العطل الصيفية
وتعلّمت شيئاً ضئيلاً من كل شيء
لم أبقَ في أي مكان لوقت طويل
كان الملل يبعدني دائماً
عملتُ في المتاجر
وكنت أحمل البضائع الثقيلة
أرتّبها على الرفوف
وأوصل الطلبات إلى المنازل
عملت في الحلاقة
كنت أحضّر الشاي للزبائن
وأكنس الشعر في البداية
تعلّمت حلاقة الذقن
وقبل أن يسلّمني أحدهم رأسه
تركت المهنة والمكان
إنه الملل مرّة أخرى
صديقي الوحيد
سمعتُ أن العاملين في البناء
يحصلون على أجور مضاعفة
وكنت بحاجة إلى المال
فعملت مع الرجال القساة
عملت في معامل الحجر الصناعي
وفي العمارات الجديدة
مع المبلّطين والنجّارين
مع الحجّارين والحدّادين
استغربوا ثم ضحكوا وتندّروا
حين تقدّمت للوظيفة
ولكنهم قبلوا في النهاية
ربما شفقة، وربما حاجة
أرسلوني إلى الطوابق السفلية
قالوا لي: اقتلع المسامير الصدئة
من الخشب القديم
كانت أكياس الإسمنت أثقل مني
والألواح عملاقة بالنسبة لقامتي
أحمل الأكياس إلى الطوابق العلوية
أعدّ خلطة الإسمنت
مع الحصى والماء والرمال
وأقرّبها من أماكن العمّال
في الليل كانت يداي ترتجفان
وفي النهار تتمزّقان من الجفاف
في أيام العطلة أمارس ما أهواه
رياضة الحديد، كرة القدم، والسباحة
وفي المدرسة أخفي آلامي
وبابتذال وسخافة
أزدهي بعضلات جسدي البارزة
من جراء إجهادها في العمل
خلال مكاسرة الأيدي مع الصبيان
وحين صار الرجال يعتمدون عليّ
حاولوا إقناعي بترك المدرسة
فرفضت ذلك وتركت الناس والمكان
عملت في متجر الكتب والأفلام
في صيانة أجهزة الكومبيوتر
والهواتف المحمولة
في ميكانيك السيارات
وتغيير الإطارات
في متاجر الألبسة
وفي البارات
وفي بيع التبغ المهرّب
أمام الملاعب وعلى الطرقات
وهكذا حتى نهاية المرحلة الثانوية
تقدّمت للإمتحانات وأنا أعمل كمرافق
للحافلات التي تنقل الناس
بين مدن البلاد
نجحت بعلامات متواضعة
ولكن بأعجوبة
حقد عليّ الطلّاب المجتهدون من الراسبين
وسخرت من سذاجتهم وغبائهم
كانوا يذهبون للمدارس والمعاهد
ويأتون بالأساتذة إلى منازلهم
وكنت بالكاد أفتح الكتاب
حملت شهادتي وجاء موعد سفري
ودّعت الأصدقاء والأعداء
ومضيت نحو البلاد الجديدة
عملت كمراقب للعمّال
وبعد ذلك تعلمت الإنكليزية فوراً
فعملت في المكاتب والإدارة
وحصلت على وظيفة
أرقى مما مارسته في السابق
وأصابني الملل مجدداّ
فمضيت مرة أخرى
إلى بلاد بعيدة
جئت إلى أوروبا
تعلّمت اللغة الجديدة
وأنا أعمل في المستودعات
وبعد ذلك عملت في الترجمة
ثم انتقلت إلى جريدة
عملت في الصحافة
ومنذ الأسبوع الأول
نشرت النصوص والمقالات
ولضيق مزاجي تركت المكان
وددت دائماً أن أكون حرّاً
لأنني كرهتُ الإلتزام
ولكن ذلك كان مستحيلاً
فعدت للعمل مع الرجال القساة
وبدأت وظيفة في الأمن الخاص
عملت مع الجميع
ولكنني كنت وحيداً دائماً
وحيد وغريب
البعض كان طيّباً
والبعض كان قاسياً
والبعض كان نذلاً
وصدمني نجاحي
مع الجميع، وفي كل مجال
استغربت من ترحيب الناس
من اعتمادهم علي، وإيمانهم بي
من رغبتهم بأن أستمرّ معهم
رغم رغبتي الوحيدة والدائمة بالإنعزال
غداً أدخل عامي الثامن والعشرين
ولكنني لم أجد نفسي أبداً
لم أجد نفسي حتى الآن
وما زلت عاجزاً عن معرفة ما أريد
عن إيجاد معنى لأي شيء
في هذا العالم، في هذه الحياة
مضيعة للوقت، خسارات، وخيبات
لا جدوى، لا معنى
لا امرأة، ولا صديق
لا هدف، ولا انتماء
إنه الملل، صديقي الوحيد
إنه الإخفاق مرّة أخرى
سراب في سراب
خواء في خواء
عالمي الخاص وحده
ما كان يهوّن علي
وحده ما كان ينقذني
طوال مسيرتي الشقيّة هذه
مكتبتي الصغيرة، ومجموعة الأفلام
فكنت أقرأ الكتب دائماً
وأستمع إلى الموسيقى
كان هذا ملاذي الوحيد
ملاذي الآمن والأخير دائماً
لم تكن الكتابة حلماً عابراً
لم تكن شغفاً ساذجاً ومؤقتاً
كانت انفجاراً محتّماً
وكان عظيماً.

1 commentaire: