vendredi 27 septembre 2019

سفر بدون وجهة و لا مذاق




حين كنت صغيراً، رأيت في أفلام الأطفال التي كنت أشاهدها حينذاك، ووجدت في الكتب التي قرأتها أن السفر شيء رائع حقاً. غون ودّع خالته، سامبي ودّع أخته، الكابتن ماجد ودّع أمه، الكابتن رابح ودّع عمّته، وبطل موراكامي، كافكا تامورا، احتضنته الآنسة ساييكي وأوشيما بعد فراره من منزل أبيه. كانوا يقفون ببوابات القطارات وهي تقلع على مهلٍ، أو على ظهور السفن وهي تبحر من الموانئ، يلوّحون بأيديهم لأفراد عائلاتهم وأصدقائهم، وهم في طريقهم نحو البلاد الغريبة. عقب وصولهم كانوا يلتقون بأناس طيّبين، يتناولون أطعمة شهية، يمرّون بقرى صغيرة ودافئة، يزورون أماكن جميلة، يعملون بنشاط، يمارسون هواياتهم، يقرؤون الكتب، يخوضون الصعاب، ينعمون بالسعادة، يجمعون خبرات جديدة، ويصنعون ذكريات طيبة، ثم يعودون ويقصّون تجاربهم على أحبائهم. منذ تلك الأيام تكوّنت لديّ الرغبة بالسفر، وبالفعل بلغت ذروتها في الثامنة عشرة من عمري. ما أن أنهيتُ دراستي الثانوية فكّرتُ: البلد صغير جداً على أحلامي الكبيرة، والتعليم هنا سيئ ورديء، الجامعات لن تفيدني في شيء إلا إذا خضت فروعها العلمية، ولكن هذا ليس عالمي، فقد كانت ومازالت ميولي محصورة في مجال الفنون، ميول أدبيّة بحتة، قلتُ لنفسي: ما سأتعلّمه في الجامعة، أستطيع تعلّم أفضل منه بجهدٍ شخصي وهذا ما فعتله فعلاً وتعبتُ في تحصيله لسنين طويلة. بعد أيام من بلوغي الثامنة عشرة، تمرّدت على جميع أفراد عائلتي، وقراراتهم بشأن ما يجب عليّ فعله، ذهبتُ لدائرة الهجرة والجوازات وقمت باستصدار جواز سفر بعد أن جمعت الوثائق الضرورية للمعاملة، وسافرت بعد ذلك بعدة أشهر. مضيتُ أنا، وأخي وأمي بسيارة حتى وصلنا المحطّة التي تنطلق منها الحافلات نحو المدن الأخرى، جلسنا في مقهى صغير، تناولنا وجبات خفيفة وأتبعناها ببعض القهوة والسجائر، صعدتُ إلى الحافلة في الموعد المحدد بعد وداعهم، ولوّحت لهما بمودّة بيدي هذه من النافذة. ثم اتجهت إلى المطار وحيداً. كان الجوّ شتوياً، أواخر شباط، تتحرّك السحب ببطء، ويسترسل شعاع القمر، نافذاً من بين قطع الغيوم، يلقي بظلاله فوق العالم، ويمسح بنوره الأرض المُبلّلة، والأشجار، والشاطئ، والحافلات، ووجوه المسافرين، وواجهات مكاتب الحجز، والأبنية القريبة، والذرى البعيدة. كانت تمطر بهدوء واضح كما لو أن المطر يرشح من مجرى قريب، ضيّق وصغير، وليس من السماء الواسعة والبعيدة. رأيتُ حبّات المطر تتساقط لتستقرّ على جبين أمي، ثم تتدحرج برقّة فوق وجهها الرقيق لتمتزج في النهاية بدموعها، كان أخي الكبير يحيطها بذراعه، ويربّت على كتفها، تميل عليه بهدوء وتنظر إلي بحسرة. لقد مضت عشرة أعوام على هذه الذكرى، وشقّيتُ طريقي بنزاهة في البلاد الجديدة، كنت صادقاً، عملتُ بجدّ وإخلاص، قدّمتُ ما بوسعي، وكنتُ وحيداً دائماً في رحلتي هذه، دائماً. ارتكبت بعض الأخطاء المفهومة، وتمّ خداعي في بعض الأحيان، وقعت ببعض المآزق وتعلّمتُ منها، ثم تجاوزتها بمفردي. خذلني أقرب الناس، ومزّقت الخيبات قلبي، توالت وكثرت، وتركت فيّ جرحاً نابضاً. مرّت أعوام صعبة وطويلة، ولكنني لم أختبر شيئاً من الأشياء التي حدثت مع كافكا وغون ورابح وسامبي وماجد، ولم أشعر بشيء مما أحسّوا به من طمأنينة وأمان. لم ترَ عيني ما رأوه من جمال ووداعة، لم أرَ غير القسوة والنكران، ولم يغمرني شعور غير الوحشة، وفشلت دائماً في سحق شعوري بالإغتراب والوحدة. لا أعرف لماذا كان الأمر بشعاً ومعقداً إلى هذه الدرجة.

1 commentaire: